ولم ترقب قولي!


(الطاعة) نسيج متداخل وصعب الحياكة ، خيوطه تغرز في هوى النفس وحظها ، وفي شرطية الدعوة وسلامة القصد فيها..
وبين هاذين الغرزين خيط رفيع لا يكاد يبصره إلا من هداه الله وحاز تجربة في الصف القيادي الدعوي ، ورياضة روحية عالية تمكِّنه من الشعور بملمس كل الخيوط ..
إذ يخفى الخيط الرفيع على العامي التابع في سلك دعوته قليل الفقه والدراية ؛ فلا يميز بين الطاعة والقداسة والرمزية، فلا تتنفس الدعوة من أمثاله؛ لغياب الأفق وبعد الغاية .. فيهلك بهلاك قائده فتبور دعوته ..
ويخفى الخيط الرفيع على قائدٍ قلَّ علمه بخصائص مرحلته الدعوية ، ولم يسبر مؤشرات المصلحة الدعوية وفراستها،
ولم تنصهر غايته في غاية الدعوة والمنهج، فتشق عليه نفسه على الانقياد والتطاوع،
فيجور في أمره ويتعسف في رأيه ويستبد، والدعوة من هذا تتقهقر..
ويخفى الخيط الرفيع على قائدٍ وتابعٍ، اتسعت عليه هالة الأنا ، وتحجمت طاعته في ذاته المقدسة، وعلقت نفسه في هوىً متَّبع ، فلاح الانشقاق بعد الوفاق،  فيهلك وحده دون دعوته..


والموفق من تحسس الخيط الرفيع  في الطاعة وغايتها (تطاوعا ولا تختلفا).. قد تسمق الطاعة لأي قيادة في أمر نبيل ثم تنحدر لغاية سفلى، وقد ينقدح الأمر بالعدل فيها ثم يجور إلى الظلم فتنال الدعوة مغنماً وتدرك النفس حظها وهوىً..
وصور التسيّد وإدارته ، والقيادة والانقياد ، المبثوثة في الساحة الدعوية المعاصرة ، المتجهة نحو المؤسَّسيِّة والربحيَّة والمنافسة صوراً ملونة لا تغيب، والوعي بشرطية الطاعة الدعوية والتطاوع لنجاح الدعوة وسلامة سيرها يجب أن لا تغيب أيضاً، فهي -القيادة والسيادة- جسر لا عبور دونه إلى الشهرة أو الجاه أو تحقيق المكاسب المادية... ويشق على القائد الدعوي المسيَّد والمرشَّح لإكمال النسيج الغرز في أي الناحيتين؛ الدعوة والرسالة السامية أم الهوى وحظ النفس! فالمصلحة الدعوية ظاهرة من وراء شهرة نقية وجاه نافع خادم ومكاسب مادية تسخَّر ، والخفاء يحيك في نفس القائد طاعته لغاية دون غاية دعوته.. فيتمادى في الأمر الظاهر في غير مصلحة دعوته.. ويستزيد من المكاسب المادية لتكون تركةً يتقاسمها ودعوته؛ زاعماً نفسه من (العاملين عليها).. لذا جاء الحظ ( تطاوعا)
والحمل الثقيل في الزكاء وتصفية الطاعة والتطاوع ، يحتمله القائد، محاسباً نفسه ومستشعراً مسؤوليته ، وفتل خيوط الهوى عن خيوط الدعوة .. ثم يَسنُد هذ الحمل من شُرِّف بحمل الرسالة جنديٌ مخلصٌ في دعوته ، ويعلم أن الطاعة شرط في المعروف.. والدعوة تعلو فوق الشخوص.. وغايتها تسمو على الغايات..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيار التواصل.. القناة الآمنة !

فِتْيَان في جُحْر الضَّبّ !

الثقة بالنفس .. طوق النجاة للأبناء !