فِتْيَان في جُحْر الضَّبّ !
لا أتفاجأ كثيراً من أسئلة الطلاب الغريبة والمثيرة حين يُلقونها بين يدي الدَّرس ببراءة وعفويَّة أو مَحض إشكال واستفسار ؛ بل أسعى جاهداً استثارة مثل تلك الأسئلة لِيَقِينِي أنَّ الإجابة عنها تفيض فُهُومَاً جديدة وتُذْكِي مَعارفَ خافتةٍ لديهم ..
ولكن المفاجأة تأتي حين تلمس
من وراء أسئلتهم تَبدّلاً لقيمٍ مؤصَّلةٍ شرعاً وثابتة في المجتمع ، ومعزَّزة عُرفاً
لدى عامّته ..
يقول المعلِّم مستطرداً بعد أداء الدَّرس لطلابه في المرحلة المتوسطة :
أثناء حديثي العابر عن أحداث يوم القيامة وحال الناس عند المرور على الصراط المنصوب على
مَتْن جهنم.. فإذا بطالب يتساءل باستنكار مستغرباً مما يسمع رافعاً صوته فاتحاً
عينيه محلِّقاً بحاجبيه : (مِنْ صِدْقِكْ يا استاذ؟!) ويعني (هل ما تقوله صحيح ؟) !
وطالب آخر في المرحلة المتوسطة كذلك : يفاجئ معلّمه أثناء حديثه عن ضرورة صيانة المرأة وحفظها عن الاختلاط المحرَّم
.. فقال الطالب ببراءته (منافِحاً) : لماذا تُصوَّر المرأة دائماً بأنَّها محل
الشَّهوة ؟! (بهذه العبارة) مستشهداً بواقعه العارِضْ حين يتواجد في بعض المجمَّعات التجاريّة وأنه لا يشعر تجاههن بشيء !
فعلام التشديد !! .. وبعد أن بيّن له المعلم بلطفٍ الحكمةَ مِنْ غَضِّ البَصَر ، وَبيّن له فِقْه
النَّبي ﷺ حين قال : (مَا خَلا رجلٌ بامرأة إلَّا كان الشيطان ثالثهما) وأثر ذلك في وقوع الفتنة والحرام .. وأنَّ سِنَّه
-أي الطالب- لم يصل بَعدُ لإدراك ما يقوله المعلم تماماً ؛ إذ لا يشعر بإلحاح الغريزة بعد ؛ فلَعلّ كلام المعلِّم يقع في قلب الطالب موضعه في المستقبل .
أقتصر بذكر هذين النموذجين وما خفي مِن القيم عن طلابنا الأحداث أكثر مما استعرضتُ وأعمق .
ولو تساءلنا بوضوح :
أين مفعول العلوم الشرعيّة وأثر المعاني الإسلاميّة التي يَدْرُسها طلابنا
بتناسبٍ وتنوّعٍ ضمن مقرراتهم الدراسية ؟! ..
هل تسرّبت سموم الثقافات الوافدة إليهم عبر القنوات
المقنَّنة والمفتوحة فَسبَقَتْ إلى عقولهم ؟!
أم أنَّ خللاً ما يعتور الأداء التعليمي التربويّ لغرس الركائز المميِّزة للهويَّة المسلمة ؟!
أَمْ أنَّ الأسرة اقتصر
دورها في تأمين حاجات الأبناء المادية من مواصلات وغذاء ولباس ومستلزمات مدرسية وفي غفلة عن قياس سلامة قيمهم
وأفكارهم ؟!
اللطيف في الأمر ..
أنَّي وجدت الإجابة بعد بضعة أيام عن هذه الأسئلة
متمثِّلةً في شخصيّةِ طالبٍ جامعيٍ سيماه الصلاح ، رافقني قَدَراً في الطائرة وكان مسافراً
ومتجِّهاً إلى جامعته في مدينة الظهران .. وفي ثنايا حديثنا أخذت في توجيه نصيحتي له
بأهميَّة الصُّحبة الصالحة في الجامعة لاسيما لطالبٍ مُغتَرِبٍ عن أهله .. قاطعني بزهوٍّ واعتزاز .. وأرْدَف قائلاً : نعم ! لقد أَرشدَني أستاذي في ختام المرحلة الثانويَّة
حين ودَّعَني بأنْ أكونَ على وَعي وانتباه عند اختيار الصُّحبة ، وحذَّرني من تغرير بعضهم بتكوين علاقات " بريئة " مع الفتيات !! فلا تقلق سأكون حذراً ..
فقلت : سبحان الله ! ما أجمل التربية حين تَنْطِق مُسدَّدةً دون تكلُّفٍ كما لََمسْتُها مِنْ هذا الشاب الجامعي .. وما أجمل غرس القيم في نفوس الأبناء والطلاب
والتأكيد عليها بأساليب متنوّعة قبل أنْ يَشبُّوا ..
لا يخفى علينا أنّ الهدي القرآني حفل بالقيم الإيمانيّة والسلوكيّة والأخلاقيّة العظيمة كالصدق والصَّبر والقصد والثبات والكرامة وغيرها.. تَرِد في سياقات شامخة ، فماذا لو عَنِي المربُّون بالوقوف على قصَّة واحدةٍ كقصَّة يوسف عليه السلام -مثلاً- الحافلة بقيمة ( العـفِّة ) والتي بات يلزمنا معاشر المربين تدريسها للجيل في زمن الفتن ونعلّمها لأبنائنا في
البيوت ونُحيِّيها في المواقف المختلفة ..
هذا حظّ البنين -وهم أحسن حالاً- في تحصيل القيم
الإسلاميّة فكيف بحظّ البنات والفتيات .. فالمرأة قد ترى كثرة الخروج مِن بيتها لغير
الحاجة أمراً لا غضاضة فيه ولا حرج ! .. وأخرى ترى حظّها في الحديث مع الرجال لغير الضرورة كالرجل تماماً !..
وثالثة لا ترى في الخلوة بالسائق الأجنبي عنها أيّ حَرَج لتقضي حاجاتها أو كمالياتها !.. ورابعة
ترافق أمّها المحجَّبة وقد كشفتْ عن وجهها وأجزاء ظاهرة من جسدها !..
فهل سيستدرك المؤتمنون على التربيّة تعميق القيم التي تترنَّح في وعي
بعض شبابنا وفتياتنا الحالِمين بـ "الحريّات" ، وتعزيز قيمة الحياء فيهم واحتشام اللباس والسِّتر ، وترسيخ
تلك القيم لديهم ، وحَجْزِهم عَنْ دخول جُحْرَ ضَبٍّ لَمْ يَتَسِعْ إِلا لِأُمَّةٍ لَمْ تكن آمَنتْ مِنْ قبل ؛ وإلا دخلوه معهم !!
روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم:
"لَتَتَبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قَبْلَكم حَذْو القُذَّة بالقُذَّة حتى لَو دَخَلوا جُحْر ضَبٍّ خَرِبٍ لَدَخلْتُمُوه" ..
عافانا الله وإيّاكم وسلّم لشبابنا وفتياتنا دينهم وقيمهم ..
تدوين | عبدالكريم

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لك .. إذا وجدت شيء قد استفدت منه أو يمكن أن تفيد به غيرك ، فلا تتردد بنشر الرابط .