المربي بين الشكل والمضمون !
في زمن الشكليات ؛ الألقاب تسبق الحقائق ، ولم تسلم من ذلك مواطن التكميل البشري ومصنع الرجال والرعاية المثلى ومحل القيم وتقويم السلوك .. "المحاضن التربوية" !
يرتكز المحضن التربوي على العنصر الأساس في العملية التربوية الناقل للمنهج التربوي "القائد المربي" ، الذي يحصر في نفسه لأداء هذه المهمة النبوية العظيمة الشروط اللازمة ؛ الشرط الإيماني ، والشرط المعرفي ، والشرط المهاري الأدائي ، والشرط الاجتماعي التواصلي ، والشرط النفسي الوجداني ، والشرط الذهني العقلي ، والشرط الإداري ، والشرط الشخصي وسوية الطباع ..
والزعم بكمال هذه الشروط في المربين ضرب من الخيال ، كما أن الظن بخلوهم منها تماماً ليس من الإنصاف في شيء وإلا لما أُعدَّ لهذه المهمة في الساحة الدعوية أحد ؛ والأمر الشائك في "تأهيل المربي" في المحاضن يتفاوت بغياب الشروط فيه ، أو وفرتها بحدها الأدنى ، أو بحضور بعضها وغياب بعضها ، وتبعاً لأهمية الشروط وخطورتها تأتي أهمية تأمينها فيه وخطورة انعكاسها في المحضن ..
وعادةً ما تنتج التربية الدعوية المؤصَّلة -بمنهجيتها الطويلة- مربٍّ ناجح ، يستوعب بوعيه الراسخ العُدَّة التي تتطلبها مهمته الدعوية التربوية وطول الطريق الذي ينتظره وبُعد الثمرة ، والعوائق التي تعترضه في تربيته للآخرين ؛ فهو يجعل من نفسه واستقامتها ، وجديتها ، وقوة محاسبته الذاتية ، وتسليم قلبه من أمراضه وأدوائه ، وإحسان المقصد ، وصدقه في التضحية والبذل ، والتفاني في المنشط والمكره ، والتزام الثغر في السعة والضيق ، والتطاوع الإيماني في الرضى والغضب ، ونكران الذات عند القيادة والحراسة ، وعرفان سمو الدعوة والتربية حال العزوبية والتأهّل ، وتعاهد الرقائق للقلب ؛ وتجنب العوائق النفسية وتحييدها ، وإحسان المنطلق للعمل لله وتجريده من الهوى ، وتصحيح المسار بالتواصي ونقد الذات ، وتأكيد الروح الإيجابية ، والإضافة الجديدة بالأفكار الثرية.. كل ذلك يجعله المربي محوراً فاعلاً في نفسه ، ومصابيح لا تنطفئ في ضميره ، يحييها مع المربين في محضنه ؛ ليضمن بعد ذلك -بحول الله- جريان السفينة في الأفق الواسع ورحابة العطاء وبركة البناء ومحالفة التوفيق ..
وغالب ما يجنيه مشرفو المحاضن من إشكالات -وكانت أقل في وقت مضى- من جراء غفلتهم عن أنفسهم ، وهزال تعاهدهم لها بالتزكية والتربية الذاتية والتعلم والصقل والتقويم ، والرضى التام بالمستوى التربوي الخاص الذي وجدوا فيه ونشؤا عليه ؛ فكم حَجَبت "مرتبة المربي" التي بلغها عن قلبه السمو الإيماني ؛ فاجتاله نقص الطاعات وغشيان المباحات، وكم حَجَبت "مرتبة المربي" عن عقله حاجته العلمية فافترسه جهله بأنياب الشبه ، وكم حَجَبت "مرتبة المربي" عن وجدانه حاجته لتصفيته من المكدرات ، وكم حَجَبت "مرتبة المربي" عن ذاته؛ قصورها وضرورة الاسترشاد من تجارب الآخرين ، وكم حَجَبت "مرتبة المربي" عنه كبرياءه الذي استطال عن الانقياد لجماعية العمل وروحه ، وكم حَجَبت "مرتبة المربي" عن ضميره علله ومخلَّفات نشأته وتربيته التي لم تزل عالقة ولا يبصر دسائسها سواه وحاجته لصهرها ومعالجتها.. وهذا الكشف لداخل المحاضن التربوية العام ، وتسليط الضوء عليه ليس إقلالاً وتزهيداً في هذا الدور القيادي العظيم ؛ وإنما استدراكاً لأوضاع تربوية قائمة ، واستجابةً لنداءات مخلصة ترجو حسن الثمار وادخار الأعمار ، وشفقةً على هذه المصانع التي تصنع المنابر المؤثرة في الأمة ، والتربية الراشدة لابد وأن يأتي علاج ما يعتورها فلا يواري خلفه صديد أو قروح ..
وإني لأرى المهمة شاقة -كما أن المصارحة شاقة- والكمال عزيز ، والتوفيق حليف الصادقين ، وبقدر النظر لعظم المهمة التربوية وشرف منزلتها ، والإيمان العميق بالفكرة ، وخطورة الغرس الذي سيرعاه من بلغ "مرتبة تربية الجيل" يدعوه لاستجلاء نفسه وتنقيتها وتخليتها بمبضع الجرّاح وتحليتها بالعنبر الفواح ؛ على نحو لا ينقطع مِن نَصَحة معززين لا غششة مخذلين ..
وأن يدرك من بلغ "مرتبة المربي" ضرورة التغذية الذاتية الرفيعة -فالتربية لا تقوم على نتف المقالات والدردشات- وبالأخص النهل من تلك القيادات التربوية الحية الذين عركتهم التجربة ، وسطروا في الجيل الرسالة وأشعلوا الهمَّ للتضحية ، بمجالستهم وأخذ الطرائق التربوية عنهم ، والنهل من تلك الكتب والمسموعات الدعوية والفكرية والتربوية الضخمة ، التي نشأت عليها أجيال سالفة ، بلغتها التربوية الجزلة والصريحة والواضحة ، ومناقشة مضامينها في المنتديات وأروقة التواصل الالكتروني ، والاطلاع المتنوع واستيعاب الجديد المانح للإبداع ، وفق الأصول المنهجية المتوهجة..
فهل لنا -بعد هذا الكشف- بمربٍّ يعهد نفسه -ما استطاع- بتزكيةٍ قرآنيةٍ وتربيةٍ نبويةٍ شاملة ؟!
هذا ما ندعوا الله به لأنفسنا ولمن نحب من إخواننا الدعاة المربين ..
طبتم وطابت النفوس لإصلاح النفوس،،
تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لك .. إذا وجدت شيء قد استفدت منه أو يمكن أن تفيد به غيرك ، فلا تتردد بنشر الرابط .