علاقة المربّي بالمربّي!

  نالت صورٌ عديدة من الروابط الاجتماعية والعلاقات بين الأفراد مساحات واسعة من اهتمام التربوييّن والدعاة والخطباء؛ لتقويتها وبيان الحقوق والواجبات المتبادلة فيما بينها، ومن تلك العلاقات ، علاقة الآباء بالأبناء، وعلاقة الأزواج ببعضهم، وعلاقة المعلم بطلابه ، والشيخ بتلاميذه، وكذلك علاقة الإنسان بالحيوان !
أخذت حيزاً لا بأس به من المقالات والاطروحات الاجتماعية والنفسيّة والتربويّة ..


  ويحكم هذه العلاقات مبادئ وقيم عامّة مرتكزة في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وأخرى مفصَّلة في هدي نبينا صلى الله عليه وسلم وما نقل إلينا عن حياة مَن بعده مِن القرون المفضّلة إلى عصرنا، وأخرى دفعتها التجربة إلى الوعي الإنساني من سائر الأمم أثبتت نفعها وجدواها، كالعلاقات الإداريّة والاقتصاديّة والسياسيّة...

  ومما يَعني المحاضن التربويّة الحديث عنه، تلك العلاقة الفريدة، التي تتطلب وعياً خاصاً، وتهذيب خاص، نظراً لاعتماد الناتج التربوي في المحاضن على انسجام تلك العلاقة وتوافقها وقدرتها على تنزيل مواقفها الشخصيّة المنزل التربوي الصحيح، إنّنا نعني هنا علاقة " المربّي بالمربّي " ..
  فمتى اضطربت تلك العلاقة وانطوت على سرائر سلبيّة، أو اكتفت بمبادئ التعامل العامّة دون تكييفاتها الخاصّة الملائمة للبناء التربوي واللائقة بسلوك المربّي الشخصي، والعائد أثره على المحضن بكامله، وإلا تحوّلت العلاقة من المربّي تجاه المربّي إلى تجاهل وإقصاء في صورة (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) ، وتصدّر مذموم في صورة (واجعلني على خزائن الأرض) ، وتفرّد أناني في صورة (وإذا عزمت فتوكل على الله) ، وجفاء العلاقة في صورة (التربية الجادة ضرورة) ، وفرض الرأي في صورة (إن أريد إلا الإصلاح)..
  
  والمربّون في المحضن الواحد يتفاوت رصيدهم التربوي ، وتختلف أساليبهم في معالجة المواقف التربويّة المختلفة حكمةً وصبراً وبعد نظر، والتي تشكّل جوهر الفرق بين المربّين؛ لذا من المهم وجود الأسس التي تضبط أدوار المربّين باعتبارها عمل مقارب للمؤسّسية (وإن لم يكن بالضرورة كذلك في هيكلته التأسيسيّة) ، وذلك ببيان السياسة العامة للعمل التربوي في المحضن (رسالته وأهدافه-الخطة السنوية والفصلية العامة-إمكاناته وممتلكاته وميزانياته-المواعيد العامة للبرامج-حقائب البرامج المختلفة كماً ونوعاً(حقيبة الرحلات وحقيبة الدروس وحقيبة الدورات..) وتحديد كيفيتها لاحقاً- وتحديد الأدوار الإشرافية ومسؤولياتها ، وأساليب التواصل الناجح.. وغيرها من الإجراءات الهامة لنجاح العمل التربوي ، وتضمن الحد الأدنى من وحدة العمل وفهمه والسير به ..
  
  والأمر الأكثر إلحاحاً لنجاح العمل التربوي -والمعني في هذه النافذة- إدراك النواحي التربوية الذاتية الأدبية والأخلاقية بين المربين ، التي بها يُجبَر النقص ، وتُعفى الزلة التي قد تلحق المربّي من أخيه بتعدٍّ غير مقصود ، أو مزاحمته في دورٍ ما أو مسؤولياته ما ، وبالأدبيات والأخلاقيات الذاتية يُسدّ الخلل الذي يتركه المربّي في دوره ، وبها يُتواصى معه بالمعروف وينصح له في التقصير ، ويتسع الصدر لاستيعاب اختلاف وجهات النظر ، فيعزز التطاوع بين المربين وتطفأ جذوة الاختلاف ، ويوقَّر المربِّي الخبير ليتعلم منه القدير ، ويُرعى كل ذي حق حقه ، وترخى الآذان فيما بينهم لسماع النجوى وهموم المحضن للاستدراك والتوجيه بقلوب ملؤها العطف على المصلحة التربوية للمحضن بأكمله .
إن الأخلاقيات التي يجب أن تتوافر ويُصابِر عليها المربّون تفعل أكثر من ذلك .. ولا معنى لمربٍّ يخلو من السّمو النفسي والأخلاقي، ويكون النقص في نضجه وإدراكه لحقيقة التربية والدعوة إلى الله وسموها بقدرغياب هذه الأخلاقيات في علاقاتهم التربوية. 
  
  ونوجز بعض الركائز التي تمنح المربّي رُشداً وتميّزاً في علاقته بأخيه المربّي فيما يلي :


١) سمو التواصي التربوي:

   أن يستشعر المربّي أن تربيته للجيل غايتها عظيمة ومقصدها سامٍ يجب اعتباره فوق الأشخاص (ليُطوَّر المحضن) ، وفوق الخلاف والاختلاف (ليَجمع الكلمة) ، وفوق حظوظ النفس (ليُخلِص لله) ؛ فلا مجال للمجاملات ولا لقَصْر دور المربّي على إقامة العلاقات الاجتماعية والمؤانسات مع المربّين والمتربّين دون انتباه لمغزى العلاقة التربوية ، فالمجاملات والمؤانسات المفرطة تصيب المحضن بالترهّل وتُضيع الزمان ، وتَحجب النُّصح ، وتَغفل عن التقويم ، كما أن التدقيق والحزم الشديدين تصيبه بالجفاف والتعسّر ، كما لا يَحسُن التوقف عند اختلاف وجهات النظر تجاه مصلحة ما للتربية ؛ فلا بد أن يسود الاتفاق فوقها ويُحقق التطاوع والتنازل وتُخلق الصدور السليمة الرحبة . فوعي المربّي لغاية التربية ؛ تؤهِّله لانتظار ما لا يتوافق مع هواه ، ويتقبّل التوجيه المعتَبر لمصلحة الدعوة وإن خالف بعض اعتباراته! 

 ولنا في ابن الخطاب رضي الله عنه المربي القائد المدرك لمصلحة الدعوة ويخاطر لأجلها ، في موقف المعايشة مع المربي الأول صلى الله عليه وسلم  في موقف الحديبية ، ما كان منه رضي الله عنه بعد تجلية رأية لدخول مكة حين قال : (علام نُعطى الدَّنِيَّةَ في ديننا) وأنفاسه تمتلئ عزةً وغيرةً للدِّين وللمسلمين ، جاء تحويل الموقف باتجاه مخالف لما رآه مصلحةً معتبَرة ؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم (إنِّي رسول الله ولن يُضيِّعني الله أبدا) ، وفي محاولة مجددة منه رضي الله عنه لاستدراك مصلحة الدين مع المربِّي الصاحب أبي بكر رضي الله عنه فجاء الرد معزِّزاً لموقف الرسول صلى الله عليه وسلم ، فما كان من عمر إلا التطاوع والانقياد للاعتبار الذي خفي عليه ، إيماناً وتسليماً للمربّي الأول عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم أجمعين ، والقصة بتمامها ورد فيها ندم عمر وأحدث لأجل ذلك أعمالاً تكفّر جداله رغم سمو رغبته رضي الله عنه وأرضاه.


٢) لستَ تِرْسَاً واحداً :
   أن يدرك المربّي في محضنه أن دوره مهما قلَّ أو كثر هو مكمِّل لدور مجموع العاملين معه ، فَرُؤَاه تؤتي ثمارها حين تُفحص بعين المجموع وباستشارة المعنيين بها ؛ لا بالاجتهاد الفردي ، وأن يَحذر من تضخّم ذاته أو رأيه والإعجاب به .



٣) رصيد التوافق :
   أن يَبني المربِّي جسور التواصل خارج إطار المحضن التربوي ، بما يعزز الثقة ويقارِب الاهتمامات ويُنضج العلاقة الأخويّة ويكسر الحواجز النفسيّة ، ويُقارب المفاهيم التربويّة فيما بينهم .



٤) النظرة الشمولية
   أن يتفهَّم المربّي أنَّ ثمّة مسؤوليّة تربويّة محوريّة مُناطة به تُنَظّم العمل ، ويَتفهَّم طبيعة الأدوار الأخرى في محضنه ذات العلاقة بدوره ، فيقف منها الموقف الإيجابي الفاعل.



٥) الرجل الأول :
   إن مهمة تربية الجيل مهمّة نبويّة عظيمة ، ومهما هَدفَتْ المحاضن بنقلتها المؤسسيّة إلى تنظيم عملها وفق النمط الإداري المعاصر ، لا ينبغي أن ينعزل المربّي أو يتقلّص فكره واهتمامه في إحدى زوايا محضنه وينحصر فيه ؛ ويجب أن يرقى فيكون بِهَمِّ الرجل الأول في المحضن ، وصاحب المبادرة الأولى والهمّة المتقدة بما يُعلي شأن دعوته وتربيته .. ويعجبني أن أشبّه المربّي للمربّي كالعينين ؛ إن فقد المرء إحداهما عوّضت عنها الأخرى تسعين بالمئة فلم يفقد من قوة بصره سوى عشرة بالمئة فقط ! فهل يكون المربّي للمربّي كذلك ؟!


٦) الأفعال غير المفهومة! :
   ونعني بها أفعال المروءات ، وإحيائها بين المربّين ، فما أوتيت بعض المحاضن التربويّة إلا من قِبل المروءات حين خُرمت مِن أوسع أبوابها في المزاح واللسان واللباس والجلوس والتطفّل.. وأفعال المروءات لا يفهمها كل أحد ، فكثير منها دقيقة ودون المكروه والمحرّم .. لكنّها مروءة !
  وحفظ المروءات واجتناب خوارمها قولاً وسلوكاً سرٌّ في صبغ أبناء المحاضن بالسمت الرفيع والأدب الجمّ والحياء والاحترام المتبادل ..



٧) طلب الوزير :
  واجعل لي وزيراً من أهلي .. الأسلوب الأجمل بأن تطلب بكل تواضع السَنَد من أخيك المربّي ليكون عضدك ، وتُبدي حاجتك له ، وتُشعره بقيمته معك ، وأهميته في إتمام دورك وإن استقرَّ في نفسك غير ذلك ، إنه أسلوب تربوي نفسي رائع ينمّي العلاقة ويوجهها ويقرّب القلوب.
ولك أن تتصور الحال لو كان نقيض ذلك ؛ حين يرتفّع المربّي عن طلب معونة أخيه ويُخفي عنه الحاجة لمساعدته رغم عجزه ولا يعترف بقصوره ، ويعلّق ضعفه على أقرب شمّاعة .. فكيف ستبدو النفوس؟!



8) أصول الأخلاق :
  ما ألمحت إليه فيما سبق ؛ حسبي أنّه إشارة وإثارة ؛ ليُعمِل المربّي بعدها فكره ويبحث في حاجته ، ويُفتّش في تجربته المباركة -ولو قصرت- ما يستعين به من دقائق الأخلاق التي تخفى على من لم يعش كنف تلك الرياض الناضرة ؛ ليطبَّقها ويكيّفها لملائمة حاله .. ولو استطعنا أن نستوعب أصول الأخلاق المبثوثة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم علماً وتطبيقاً ، ونُحسن رؤية أنفسنا بها أثناء ممارساتنا التربوية ؛ لَتقدَّمنا كثيراً وعاد ذلك على المحاضن بتألّقٍ فوق تألّقها ، وإشراقاً يسنو إشراقِها ..


  وليس سراً أن نقول أن نجاح ما نشهده من المحاضن وتطوّرها إنعكاس لسمو القيم الأخلاقية التي يتعامل بها المربّون فيما بينهم وتقديرهم لمصلحة الدعوة ..

 نسأل الله أن يهدينا لأحسن الأخلاق لا يهد لأحسنها إلا هو سبحانه ..



طبتم وطابت منازلكم في عليين ..

تدوين| عبدالكريم

تعليقات

إرسال تعليق

شكرا لك .. إذا وجدت شيء قد استفدت منه أو يمكن أن تفيد به غيرك ، فلا تتردد بنشر الرابط .

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيار التواصل.. القناة الآمنة !

فِتْيَان في جُحْر الضَّبّ !

الثقة بالنفس .. طوق النجاة للأبناء !