شأن المربِّي .. توازن أهدافه الشخصية
يأنس كثير من المربّين في ميادينهم التربويّة والأسريّة والتعليميّة والدعويّة الاحتفاظ بمكانتهم السياديّة وأفُقِهم السُلْطوي على مَنْ دونهم مُتَمتِّعين بإحساسٍ داخلي عميق بأنَّهم الأعلم والأقدر والأفضل باعتبار المسؤوليّة التربويّة المناطة بهم ، والأدوار التوجيهية التي يمارسونها وينكفئون على ذلك .. وهذا الإحساس إن كان مقبولاً " للأداء " في الميدان التربوي فهو مُقلِق من جهة "تطوير المربِّي وتقدّمه الشخصي" ..
فالدَّور التربوي ذو طبيعة مستغرقة وممتعة تَحْجُب عن المربِّي المتفاني الرؤية الكليَّة اللازمة لبناء شخصيته والإعداد لها ، ولا ينكشف الحجاب إلا عند المنعطفات الحتميّة والمصيرية أو الضغوطات المُلِحَّة لمستقبلٍ كريم يَهنَأ به في حياته ؛ كالرغبة في سكن الحياة الزوجيّة ، أو السعي نحو الاستغناء المادي لسد حاجيّات الحياة المتزايدة ، أو تحسين الجانب الأكاديمي واللحاق بالدراسات العليا ، أو استدراك النقص العلمي والتفرّغ لمجالس العلم والقراءة ، أو الانصراف لمعالجة التراجع في مستوى الإيمان والتفرّغ للعبادات ، وهناك كثير من الوضعيّات المستجدَّة التي لم تكن يوماً أهدافاً ذات خطط خاصّة لدى المربِّي أو على الأقل لم تُشكِّل هاجساً حقيقيّاً لديه يُعدُّ له عدَّته ،
وغياب هذه الرؤية الكليَّة المتوازنة بين الأهداف الشخصيَّة التي تُلبِّي احتياجات الداعية المربِّي -وكغيره من الناس- له أسباب .. منها :
- ضعف البصيرة وعدم الإحساس بجرس الواقع ومتغيّراته وتغيُّر -وفقاً لذلك- احتياجات المربِّي.. فزيادة ضرورات المعيشة ، والأهليَّة العلميَّة ، والكفاءة الوظيفيَّة ، والجودة الصحيَّة ، وتنامي الطّموحات.. تحديات تتطلّب برمجة مبكِّرة للتكيُّف معها .
- وَهْم التّعارض بين الاهتمام بشأن الدّعوة والتربية والاهتمام بالشَّأن الشخصي والأسري والوظيفي ، وضعف الخبرة في التّوفيق بينها .
- المُضي مع متعة الإنجاز التربوي ولذَّة العطاء الدعوي العام والاستغراق في اللحظة الحاضرة ونسيان هموم المستقبل ومتطلّباته الشخصيَّة .
- غياب فقه الأولويات فيُغلِّب المربِّي جانب العطاء والدّعوة -وربّما كان لهوى في نفسه- على جوانب بنائية أًوْلى لشخصيّته وأدعى لمستقبله ومستقبل دعوته ودوره التربوي .
والوعي بهذه الأسباب وتداركها والاستعداد لتلك التغيّرات الطبيعيّة والمرحليّة التي يمرُّ بها غالب النّاس ، جديرة بالعناية ؛ لعظيم تأثيرها على سائر حياتهم واستقرارها ، وإذ نعني هنا بالخصوص الدّاعية المربِّي لشرَف الاحتساب وقلَّة المُنْبَرين لثغرته العزيزة وعظيم حقِّه على مَن يستطيع إعانته ومساندته وندرة مَن يتلمَّس حاجاته ومشكلاته الخاصَّة ، فالمكاسب المرجوَّة التي تعود -بحول الله تعالى- على المربِّي ودوره التربوي كبيرة .. ومن ذلك :
- شعوره بالسَّعادة والأمان على مستقبله ومستقبل مشواره الدعوي والتربوي .
- استمراره في العطاء ؛ لاستغنائه -بعد الله- بوفرة معظم احتياجاته التي تُبقي تركيزه نحو دعوته .
- الاستقرار والقدرة على التكيُّف مع المستجدَّات ، فالحياة الزوجيَّة لن تكون مقلقة لذهن المربِّي ووقته حين تُؤمَّن احتياجاتها ويخطط لها مستقبلاً ..
- تقديم نماذج للنجاح والتوازن الشخصي الذي ينشده المربِّي من المتربِّين ، فحياته كتلة واحدة تُحلِّق بأجنحتها وجوانبها المتكاملة في انسجام.
- تكامل الأهداف الشخصيَّة والأسريَّة والعلميَّة والوظيفيَّة والماليّة والصحيَّة والدعويَّة ودوام التوافق بينها وتوحيدها لغاية واحدة وهي العبودية لله ، وتسخيرها فيما يعين على المضي والتقدّم في الدعوة إلى الله باقتدار ..
كلمة أخيرة ..
الاهتمام بميدان الإصلاح والدّعوة والتربية نعمة وشرف ، اختار الله له أجناده ، وقيَّض له في الأمَّة أخياره ، وفحوى عمل الأنبياء مع أقوامهم احتساب وتزكية وإصلاح ؛ ولذا لَفْتُ نَظرَ الدّعاة المربّين لتكميل أهداف حياتهم من أبرز مسؤوليَّاتهم الشخصيَّة ، والالتفات لشؤونهم الذاتيَّة من قبيل مراعاة الأولويَّات وتقدير القدرات والتوازن بينها وليست دعوى للمبالغة والمثاليَّة وطلب الدنيا لأجل الدنيا ؛ وإنما لتمكينهم من أداء رسالتهم الربَّانيَّة بإتقان وجودة دون انقطاع أو تراخٍ ..
إلماحة ..
- الزوجة خديجة رضي الله عنها كانت خير سند لزوجها صلى الله عليه وسلّم في منطلق دعوته وتثبيته في محنته ..
-ابن عفان رضي الله عنه كان خير معين للدعوة باستغنائه المالي في سد حاجات المسلمين ..
- ابن عباس رضي الله عنه مضى في العلم مبكِّراً فكان أمكن في التعليم والتربية في عصره ولم يزل الأثر ماضياً في الأمّة ..
طبتم وطاب غراسكم ..
تدوين| عبدالكريم

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لك .. إذا وجدت شيء قد استفدت منه أو يمكن أن تفيد به غيرك ، فلا تتردد بنشر الرابط .