وماذا بعد الاستقامة ؟
الاستقامة ليس لها نهاية ..
الاستقامة طريق نعرفه بتوجّه القلب إلى الله تعالى ، فمن أكرمه الله بمعرفته ، وحباه بنعمته ، فكان الإيمان عامراً لقلبه ، مسيِّرا لجوارحه ، يجده ربّه حيث أمره ، ولا يجده حيث نهاه : فقد وضع قدمه في أول الطريق " قل آمنت بالله " .. متنقِّلا بحاله من مراتب الفرائض إلى مراقي النوافل حتى تعلو محبة الله له ، فينال بذلك منزلة الأولياء ، فلا تَعُدْ المعصية إليه ؛ إلا وسبيلا مُشْرَعاً من أبواب التوبة والأوبة والنّدم قد سُلك " ثم استقم " .
أما بعـد ..
أما بعد التوجّه والصعود
في مدارج السالكين ؛ فالبحث عن الذات في هذه الحياة ؛ للعمارة والاستشراف هي القيمة
المضافة ليكون الصّفْر ملياراً .. ابتداء من اكتشاف الذات ونقدها وكشف
اهتماماتها وتنقيحها ، وتأمُّل الجهد المبذول في التربية الذاتية والتزكية الإيمانية ، ومحاسبة الوقت ، وتقييم المبادئ والمنطلقات ..
ثم الانطلاق في بناء الذات بتحديد الأهداف ، ورسم الخطط ، وتنفيذ المشاريع ، وتسجيل النتائج ، وترك الأثر ..
أظنّك قد سَمِعْتَ مرةً أو قرأتَ في سِيَر إسلام الرجال تلك المقولة : " بعد أن أسلم انطلق إلى قومه يدعوهم إلى الدين الذي دخل فيه " ..
ذاك بحق هو الإيمان الحار ، الذي أوقـد الهمّ للعمل والدعوة إلى الله ..
ذاك عصر السرعة ؛ سرعة
الاستجابة ، وسرعة اكتشاف الدَّور ، واستشعار المسؤولية ، والتسامي بالهموم
والاهتمامات ، والتألق بالذات نحو كمالها ..
إنها سرعة الامتثال " قل آمنت بالله ثم استقم" - إيمانٌ .. فاستقامة .. فعمل للدين .. حتى قيل عن أولئك الرجال -رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان- في سيرهم : " وحَسُنَ إسلامه "! وإن شئتْ فقل : وحَسُنَتْ استقامته !
فالاستقامة ليست انكفاء على الذات والميل إلى سكينة العزلة وهدوئها ، وليست -فقط- تهذيب المظهر بلحيةٍ لابد من ظهورها ووجب إعفاؤها ، أو ثوب قصير موروث عن النّشأة ، أوسَبْحة تُوحي بالتديّن ، أو عبارات نتلفظ بها أو دعوات نصدّرها حسابات التواصل تبدي صلاح أحوالنا .. الاستقامة ليست في متابعة آخر الترانيم والحداءات المباحة ، وليست الاستئناس -والاستئناس فقط- بصحبة خيّرة ، أو الانتماء لأسرة محافظة ، أو ارتياد المواقع الطيبة ونحوها (وإن كان قد عزّ بعض هذه المظاهر وليتها لم تزل والله المستعان) ..
الاستقامة .. محبة الله ورسوله والمؤمنين ، وثبات ، وزكاءُ الباطن ونقاءِ الظاهر ، وامتثال صادق ، وعمل خالص ، واحترام النفس وتقديرها بالخوض بها في ميادين الشرف والعطاء ، وإبعادها عن السفاسف وخوارم المروءات ، وشكرالنعمة ببذل الممكن للإسلام والدعوة إليه على بصيرة والصبر فيه ..
وأن يُدرك العبد أن أفعال
الاستقامة والهداية هِبة من الله وتوفيق لمن أحبه ، وإن زاغ العبد عنها أو فرّط فيها
أو في شيء منها ، أوكله الله إلى نفسه ، ومَن وُكل إلى نفسه ضل وزاغ وخسر !!
ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً .. إنّك أنت الوهاب .

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لك .. إذا وجدت شيء قد استفدت منه أو يمكن أن تفيد به غيرك ، فلا تتردد بنشر الرابط .