الوقت .. وحقيبة النجاح !





  أَدْرِكْ ..
  إنّ الوصيّة النبويّة الجامعة " اغتنم خمساً قبل خمس ، شبابكَ قبل هَرَمِكَ ، وصِحّتِك قبل سَقَمِكَ ، وغِنَاكَ قبل فَقْركَ ، وفَراغكَ قبل شُغْلِكَ ، وحياتكَ قبل موتِكَ " وصية تُلقي بظلال عظيم على النفوس المؤمنة ، فيتنافسون ويتسابقون إلى العمل الصالح مع أقلّ مقوِّمات العمل والعطاء رغبة في الاستزادة والاستدراك .. فتجد أحدهم يُذهلك بمعاني الإنجازات التي يعيشها ، تراه رغم قضاء أوقاته في علاج أمراضه ؛ يسعى في تبديد فقره مع كبر سنّه ؛ لا يتوانَى عن المبادرة للطّاعات ، أو تراه يَلهَجُ بِذِكْرِ اللهِ ويُوصي بالخير ويَحثُّ عليه ويَتصدَّق ، ويَشْهَد مجالسَ الخيرِ ويَنصحُ الصغارَ ، ويعتني بالمسجدِ ويُنظِّفه ويُطالِع الكتب ويقرأ.. هكذا يعمل ما دامتْ أنفاسُ الحياةِ تَدبُّ في عُروقه !
  فكيف بِمَن امتلَك كلُّ المقوِّماتِ الخَمْس (حياتَهُ وصحَّتَهُ وشبَابَهُ وغِنَاهُ وفراغَهُ) وما زالت تأخذه الأمانيّ والأحلام ذات اليمين وذات الشمال ؟! ..


  تأمّل الموتَ وقد أغلق على الأحياء صندوق أعمالهم وأُودِعُوا قبورهم .. والمرض -رغم ما فيه من الأجر وحطّ الخَطايا ورفع الدرجات- يبقى حائلاً دون كثير من الأمنيات والطموحات .. والفقر وإنْ عَظُمَ أَجْر الصَّابِر عليه إلَّا أنَّ الغَنِيّ الشَّاكِر خير منه كما قال بعض العلماء . وأما الانشغال بالأعمال وازدحام الأوقات بضرورات الحياة فتلك لا تُبقي للرُّوح صفاءها ولا للذِّهن نَقاءه .. 
وأما رحيل القوّة وإقبال الضَّعف على البَدَن فتلك محطَّة انتظار الأحلام ومستودع الذكريات والنَّدم على ما فات في سِنّ الشباب .


البطالة الجديدة ..


  إنَّ مِن مميزات مجتمعنا ارتفاع نسبة الشباب فيه على فئات الأطفال والشيوخ ، و
يمتلك الكثير منهم في الجُملة مِن مقوِّمات الحياة الخمسة ما يُشيَّد به صُروحاً مِنْ الإنجاز والمبادرات والأعمال الصالحة الدُّنيويَّة والأخرويَّة ، ولكنْ رغم الجهود ما زال بعض الناس يكابد نوعاً من البطالة ؛ بطالة حضارية أشد خطراً من البطالة الوظيفية بل هي ناتجة عنها ؛ وهي بطالة (الأوقات) واغتنامها  والكفيلة بتحجيم كل بطالة . فالوقت مقوِّم متاح لكثير من الشباب ولكن كثير منهم يقضيه بلا فائدة مرجوّة أو دون الأولويات الواجبة .

  وما نسمّيه ( أوقات الفراغ ) في حقيقته ليس فراغاً بمعناه ( الخلو من العمل ) .. وإنما ( خلوّه من القيمة والفائدة ) وأحياناً يعود على المرء بالضرر والخسران ، وهل يصح في ظرف الزمان أن يكون المرء خاليا من أي شيء ؟!


  الشخص الفارغ ؛ الذي يجري في تصريف أوقاته وتمضيتها بالمؤانسات والقيل والقال والرحلة والترحال .. لا يألوا على جدٍّ ولا يعزم على عمل مثمر سوى المتعة وربما جار بعضهم إلى اللهو المحرّم والعبث ، ( نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس ، الصحة والفراغ ) ..


فاعلية المؤثّرين ..


  المؤثّرون الذين يريدون البقاء في الصّدَارة لديهم حساسيّة عالية لِمَا يَجب عليهم فِعْله الآن ، ويستشعرون واجب الزَّمان ، وما هو الأولى القيام به ، غير مكتَفِين بِكفاءتهم وقدرتهم على تحقيق أهدافهم بالطريقة الصحيحة ، فهم قبل أن يَصْعَدُوا السُّلَّم بطريقةٍ صحيحة يتأكِّدون قبل ذلك مِن السُّلَّم الصحيح قبل صعوده !
  ولزيادة فعاليَّة الوقت فإن ذلك يتطلّب وعياً خاصاً مِن الشَّباب المثقّف فضلاً عن غيره .. فهناك فرق كبير في النتائج بين أنْ تُوظَّف إمكاناتنا وقدراتنا في عمل الشَّيء " الجيِّد " بعيداً عن عَمل الشِّيء " الأفضل " !


تعرَّف على حقيبتك ..


  لو قمنا بتحليل واقعنا وفرَزنا جميع أنشطتنا  اليوميَّة وأعمالنا التي نمارسها أو التي نكتبها ونخطّط لها ، ثم قمنا بتوزيع تلك الأنشطة التي تستهلك أوقاتنا ونضعها في أربع حقائب :
  نُدْرِج منها في الحقيبة الأولى كل ما هو ضمن ( الهام - العاجل ) كالأمور الطارئة التي صادفتنا ، والمشكلات المفاجئة التي تفاعلنا معها ، والاجتماعات المستعجلة ، والأعمال المحددة بوقت ..
  ثم نضع في الحقيبة الثانية ( الهام - غير العاجل ) كالقراءة المنهجيّة الموجَّهَة ، والتخطيط للمستقبل ، والرياضة الوقائية ، والترفيه المستهدَف ، والتدريب والبناء الشخصي ..
ونضع في الحقيبة الثالثة ( غير الهام - العاجل ) كالتفاعل مع وسائل التواصل الفوري كـ "الواتساب" ونحوه ، وقراءة الرسائل البريدية ، ولقاءات الأصدقاء والأنشطة المحبّبة ..
ونضع في الحقيبة الرابعة ( غير الهام - غير العاجل ) كالمكالمات المتنوعة ولقاء الأفراد الفارغين والمُشْغِلين وكثير من مشاهدات الانترنت ومتابعات "السوشل ميديا" ورسائل الدردشة والأخبار ..
 ثم ننظر ونقيس أي حقائبنا الأربع قد امتلأت بأنشطتنا تلك ؛ لنُدرك بعد ذلك مستوى فاعليتنا في أوقاتنا .


  الناجحون والمؤثّرون تأخذ حقيبتهم الثانية ( الهام - غير العاجل ) النصيب الأكبر من الأنشطة والمهام .. ولا تكاد تجدهم يحملون الحقيبة الرابعة ، كما أنّهم يخفِّفون من مَلء الحقيبة الأولى والثالثة ما أمكن ؛ بِحُسْن التخطيط ، وتفادي المشكلات ، وقدرتهم على قول " لا " ؛ لأجل استثمار أوقاتهم بالأَوْلى والأهمّ والأفضل .


الرصيد الإضافي ..


  الإجازات التي نتخفّف فيها من أعمال الوظيفة والدراسة تعتبر فرصة عظيمة ألا يُغبن فيها المرء بتقديم أعزّ ما لديه من المقوّمات ؛ الوقت والحياة ، مقابل ما يندم على فواته في الدنيا ويوم القيامة من العمل الصالح له ولأبنائه ومجتمعه لا سيما مع وفرة المقوّمات الأخرى .


أخيراً ..


  لا تثقل كاهلك بالحقيبة الرابعة ، وسيطر على الثالثة ، واحتطْ للأُولى ، واستمتع مع حقيبة النجاح الثانية !



طبت وطاب سعيك  
احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيار التواصل.. القناة الآمنة !

فِتْيَان في جُحْر الضَّبّ !

الثقة بالنفس .. طوق النجاة للأبناء !