الـتربية أولاً !



بناء إنسان أم بُنيان ؟

    تتقدَّم المجتمعات بقَدْر ما يَلقى الإنسان فيها من رعاية واهتمام وتنمية واستثمار ؛ إذ هو أساس الحضارة والعمارة في الرؤية الإسلامية : ( وإذ قال ربُّك للملائكةِ إنِّي جاعلٌ في الأرضِ خليفة ) ، فقد كفل الله لعباده ما تقوم به هدايتهم وتستقيم معه حياتهم الدنيوية والأخروية .

    وزاوية الانحراف التي تتسع اليوم في المجتمعات المُعرِضة عن هدايات اللهِ المتمثِّلة في العمل بهداية القرآن العظيم وسنة خير المرسلين صلى الله عليه وسلم ؛ تلقى مصيرها المحتوم بالصَّغَار في الدنيا ، والهَوان يوم القيامة ، وإنْ تقدَّمت ماديًا ، واكتسحت حضارتها المبهجة عالميًا وشملت مناحي الحياة !

 والسؤال ..
   ما الذي ساهم في تخلف مجتمعاتنا المسلمة رغم أن مشكاة الكتاب والسنة بين يديها ؟

   لن تكون الإجابة شافية إلا إذا زعمنا أنّ تخلّف التربية على هدي الوحيين بمفهومهما الشمولي العميق والتقصير في بناء الشخصيّة وتطبيقاتها؛ سببٌ حيوّي في ذلك ، وغياب الوعي بفريضة هذه المهمة لتحقيق النقلة التربوية المنشودة للأمة ساهم -أيضًا- في هذا التخلّف ، فرضينا بالوافدات التربوية المختلفة ، وسلّمنا لسلطة التربية المجتمعية وللأدوات الإعلامية ووسائلها التي تشبه في كثير من نتائجها ما قيل عنه قديما " تربية الشارع " ، والتي تخضع لمنظومات ومتغيرات يصعب التحكم بها ..

   تأكّد اليوم -أكثر مما سبق- أن على الأسرة المسلمة النهوض بدورها الأساس الذي تخلّت عنه للمؤسسات التعليمية التي تعاني من قصور رسالتها عن بناء المسلم الفاعل بعقيدته وعمله المستثمر للأسباب المادية التي تفرزها الحضارة المعاصرة ، فعني الكثير منها ببناء المواطن الصالح بدلا من المسلم الصالح ، فضلا عمن ساق بأبنائه إلى مؤسسات تربوية لا تعطي مساحة لتعزيز الهوية الإسلامية الواضحة والمتميزة.

  إنّ فكرة التربية الإسلامية ليست مجرد مشروع بل هي روح سابغة تفيض على حياتنا الدنيوية بأكملها بقرّة العين وصلاحها ، ويمتّد نعيمها روضةً لنا بعد الموت ، ويكتمل النعيم بالاجتماع الحميمي يوم يفترق الناس إلى مصائرهم السرمدية ..

  قال صلى الله عليه وسلم : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه) ، فنقطة البداية والولادة -بل قبلها- تعني الشروع في العمل التراكمي وتنفيذ الرؤية وقصد الأبناء بتربية رشيدة ، والحفاظ على سلامة فطرتهم ، وتجنيبها عوامل الانحراف وتوفير عوامل الاستقامة والبناء على هدي الشريعة.

وبعد الموت يظفر الوالدان -إن هما أحسنا- بعاجل صلاح ذريتهم ؛ فلن يرحل من الأعمال الصالحة إليهما إلا ثلاثة أعمال كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.. وولد صالح يدعو له ) ليسعد الوالدان بهذا الصلاح الذي يسعد به الابن -أيضاً- في دنياه ويظفر به بعد وفاته.. ثم في يوم الفراق ، الذي يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه ؛ تجتمع فيه الأسرة ويُلمّ شمل الصالحين منهم فيجمع الله للآباء أبناءهم من غير أن ينقص من أعمال الآباء شيئاً إكراماً لهم ( والذين آمنوا واتّبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء )..

  إن تربية الأبناء والاستثمار فيهم ؛ يجب أن تحتلّ مقدَّم أولويّاتنا واهتماماتنا ، ونستمتع بها فوق تحصيل سائر متع الدنيا .. فنُعِدُّهم لمدرسة متميّزة ، وندفعهم لمحضن تربويّ ينمّي المهارة ويصقل الشخصيّة ويعزّز القيم الإسلامية ، ونرشدهم لصحبةٍ صالحة تلبّي حاجاتهم ، يتواصون على الحق ويتواصون بالصبر. 

  كما نعيش مع أبنائنا دقائق حياتهم ، في سِنِيّ عمرهم الستّ الأولى التي تتحدّد فيها خطوطهم النفسيّة العميقة ، ثم نتولاّهم بالتدريب على العبادة وجميل الأخلاق ونؤدّبهم في سِنِيّ عمرهم السبع الثانية (٧ - ١٣سنة) ، ثمّ نَحْمِلُهم على المسؤوليّة ونحقّق ذواتهم ونرسم معهم أحلامهم لأمّتهم في سِنِيّ عمرهم الستّ الثالثة (١٤- ١٩سنة)، ثمّ نساندهم في حاجاتهم لتحقيق إنجازاتهم وعطائهم في سِنِيّ عمرهم الستّ الرابعة (٢٠- ٢٥سنة) .. وهكذا نعدّهم -بعون الله ثم بوضوح الرؤية والأساليب- لحياةٍ مزدهرة ٍتعمر الدنيا نجاحًا والآخرة فلاحًا .

اللهمَّ هَبْ لنا مِنْ أزواجِنَا وذُرِّيَّاتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجْعلنا للمتّقينَ إِمَامًا .

تدوين| عبدالكريم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيار التواصل.. القناة الآمنة !

فِتْيَان في جُحْر الضَّبّ !

الثقة بالنفس .. طوق النجاة للأبناء !