روح المسؤولية !



  من مفاخر أمّتنا التي نعتز بها وترتفع بها الرؤوس ؛ نموذج المسلم المتفتّح ، صاحب الروح النابهة والذهن الوقّاد والعمل الدؤوب ، يبهرك بوجوده أينما حلّ ، لا يرى -كسائر الناس- كل ما يرام على ما يرام ، يتلمّس في موقعه ما يعنيه ، إيجابي التفكير قوي الإرادة ، واقعي الفكرة والتطبيق .. يدرك المثال ويقاربه لواقعه ، ويعي دوره فتتقد فكرته وينبض بها قلبه وتخط قدماه خطاها للعمل والإقدام .. إنّه مفخرة يعيش "مسؤوليّته" بتفاصيلها على المستوى الفردي والجماعي ..

  إني أتساءل .. ألا يفخر الأب حين يقول له ابنه: لقد رتّبت غرفتي .. وأنهيت دروسي .. وأدّيت صلاتي .. وساعدتُ أخي في مذاكرته ؟
ألا يفخر المعلم بالتلميذ المبادر بإثراء مادته العلمية المنضبط في قاعة الدرس ، الذي يغتنم أوقات الفراغ ويشارك في الأنشطة النافعة ؟ ألا يفخر بتلميذ يسهم في حل مشكلة لزميله مسترشداً برأي معلّمه ؟
ألا يفخر الشيخ بالطالب المنتظم في درسه  ويتميز بعزيمته وجدِّه في التحصيل ؟
ألا يفخر المربّي بالمتربّي النبيه الذي يترقّى باجتهاده لمعالجة نفسه وتزكيتها وتقويمها بتجرّدٍ وصدق وإخلاص ، متطلّع لنفسه ولأمّته أعلى المراتب ؟
ألا يفخر المدير بموظفه الملتزم بأداء مهامّه بذاتيّة متألّقة ؟
ألا يفخر الأزواج ببعضهم حين يكفي كل واحد منهم واجباته تجاه الآخر ويرعى حق الله تعالى وأهل بيته فيها بمبادرةٍ وإيجابية ورحمة ؟

  فكيف إذا سمعت بشابٍّ ينتفض صبيحة كل يوم إلى ورقته الصغيرة يسطّر فيها مهمّاته الجليلة ، له في بيته مهمّة وفي جامعته مهمّة وفي ميدان الدعوة إلى الله مهمّة ولمجتمعه مهمّة ؛ ألا نفخر به ؟! بلى وربي ذاك الفخر والسؤدد الذي نترقّبه من أمّة تزخر بأمثاله تستشعر معنى "المسؤوليّة" وتفقهها عن وعي ودراية

  إنَّ رجلاً خرج من أقصى المدينة يتخطّى الصعاب ويقطع المسافات حتى يصل إلى نبي الله موسى عليه السلام ليقدّم له معلومةً لإنقاذ حياته ويحذّره مؤامرة تُحاك ضدّه لَمِنْ أَروع الأمثلة في القيام بواجب الوقت واستشعار روح المسؤوليّة والمبادرة الذاتية .
 
وحينما فَزِع أهل المدينة ذات ليلةٍ فانطلق الناس قِبَل الصوت فاستقبلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد سبق الناس إلى الصوت وعاد وهو يقول : لن تراعوا، لن تراعوا
لم يُمْهِلهم صلوات ربي وسلامه عليه بل سبقهم وها هو يعود ! .. ما أروع هذا الحِسّ المِقْدَام الشجاع المليء بروح المسؤوليّة..

  لا جدوى لحديثنا عن تنمية روح المسؤليّة في نفوسنا ما لم  نبتدرها بمعرفة واجباتنا أولا ؛ فالمسلم الجاهل لأمانته الفرديّة والجماعيّة لن يؤدّ مسؤوليّته تجاهها كما ينبغي فبذلك يضيّع نفسه ورعيّته وأمّته .. يلي المعرفة اقتناع بجدوى فقه المسؤوليّة وتحديدها وأثرها المترتب على إتقان الأعمال وجودتها وعدم الاتكال في أدائها على الآخرين أو الغفلة عنها .. ثم امتلاك الدافعيّة وتقويتها للمضي قُدَماً في طريق الخير والإنتاج والإصلاح ؛ بإحسان الظنّ بالله تعالى أولاً وادخار ثواب الأعمال عند الله تعالى يوم نلقاه ، ثم تأتي الممارسة والتطبيق لتعزيز روح المسؤوليّة في أنفسنا وأبنائنا ورعيّتنا وهي محور عمل المربّين والمصلحين ، فما أوتي كثير من الشباب إلا من إطالة الراحات واستطابة الملذّات والاستغراق في لحظات المتعة .. فالسيطرة باتت للعواطف والمشاعر أكبر من تحكيم العقول والنظر في المآلات .

 ومما يحسن ذكره عند الممارسة والتطبيق :

- التدرّج بمن نربّيهم في إسناد المسؤوليّات إليهم بما يحترم ذواتهم ولا يحبطهم وتدريبهم على توقّعها والإحساس بها ، فالشأن فيمن يفطن لمسؤوليّته ويبادرها لا فيمن إذا حُمّلها تحمّلها فقط ؛ لذا لا تعجب إن قيل ( الناس كإبلٍ مائة لا تكاد تجد فيها راحلة )

  - حوّل الفكرة إلى عمل واقعي ينفّذه الشاب أو المتربّي ، فمسؤوليّة الدعوة إلى الله يمارسها بإلقاء كلمة في مَجْمَعٍ ما ، أو توزيع مادةٍ دعوية ، أو يصمّم بطاقاتٍ بمعاني هادفة ، أو يحتسب في هداية شخص إلى الدين ، أو يُشرف على حسابٍ الكتروني دعوي ...

  ولتنمية المسؤوليّة نحو الأسرة بأن يٍُكلَّف الابن بمساندة أحد إخوته وتلبية حاجاته ، أو يُعدّ هديّة لوالديه ويقدّمها لهم ، أو يجهِّز لهم رحلة خلويّة أو تُعين البنت أمها في شؤون المنزل المختلفة .. 
 
الجدير بالاهتمام أن يعي المربّي اليقظ مبكّراً ما يؤهّل المتربّي ويُعدّه لمهام مستقبله وأسرته ووظيفته ومستقبل أمّته ليكون صلباً ناضجاً ويعزّز فيه عناصر القوّة والعزيمة والإيجابيّة الملائمة له ، فكم يعاني مجتمعنا من تداخل مسؤوليّات أفراده ومؤسّساته وتدافعها وتضييعها في أعلى مستوياتها !


 
فالموعودون بالتمكين وصفهم الله تعالى بأنّهم بعد نصرهم يُقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. 

شعور ممتد بالمسؤوليّة .. حسّهم وعملهم لا يتوقف عن صلاح أنفسهم وإصلاح مجتمعهم وإن جاء الوعد وتحقق !

طبتم وطابت أعماركم بالعطاء ..


تدوين | عبدالكريم

تعليقات

  1. حفظك الله أبا عبدالملك ونفع بك واعاننا على أنفسنا ووفقناللقيام بواجباتنا ومسؤولياتنا .. لا فض فوك وجزاك الله خير

    ردحذف
    الردود
    1. اللهم آمين .. ولا حرمنا من إجابة دعاءك الطيب وتسديدك المبارك 🌹

      حذف

إرسال تعليق

شكرا لك .. إذا وجدت شيء قد استفدت منه أو يمكن أن تفيد به غيرك ، فلا تتردد بنشر الرابط .

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيار التواصل.. القناة الآمنة !

فِتْيَان في جُحْر الضَّبّ !

الثقة بالنفس .. طوق النجاة للأبناء !