نحو قلبٍ رمضاني أمثل !




إدارة ذكيّة ..


امرأة "تُدير" رمضان "بإدارة" شاشة التلفاز نحو الجدار وتقوم بتغطيته الشهر كله! 

"إدارة الشاشة" فنٌّ من فنون الإدارة الذكيّة لتمكين أفراد الأسرة من تحقيق أهدافهم وآمالهم في هذا الموسم العظيم من خلال ضبط أحد أكبر الصوارف وأدوات الخسارة وأسباب الفشل.. 

 أدركت هذه المرأة الموفّقة النتيجة المنطقيّة لإدارة الشاشة وأثره في استثمار إمكانات أفراد أسرتها وتوجيه طاقاتهم لتحقيق الهدف الأسمى من المشروع الرباني المبارك "تحقيق التقوى" .. إدارة أسّستها الحكمة ، وحسن العقل ، فأحكمت -بتوفيق اللهباب الملهيات والمفسدات منذ اللحظة الأولى ..


لمَ تلك "الإدارة" ؟


لقد سَمِعتْ قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه) وهذا شيء من سعة فضل الله، وفي الحديث القدسي الآخر: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) .. فما ظنّك بهذا الجزاء الوافر وما منتهاه ؟ .. موعودٌ يحرّك أعماق النفس ، ويؤكّد قيمة إخلاص القلب لله وحده ، ويدفع بالعبد إلى الإمساك عن الطعام والشراب في الخفاء كما هو في الظاهر والعلن ، والإمساك عن سائر محظورات الصيام وما قد يجرحه من المعاصي والآثام ..


فُرَص ..


في رمضان ؛ باغي الخير أَقبَلَ يرجو الجِنان ، وباغي الشر أَقصَرَ يحذر النيران ، والشياطين تُصفَّد.. ففي الحديث : (إذا جاء رمضان فتّحت أبواب الجنة ، وغُلّقت أبواب النار ، وصُفّدت الشياطين) ..

في رمضان يُعان المسلم على الإقبال على الله ، ويتحرّر القلب من نوازع الشر ودواعيه ، وتتطهّر النفس من علل الشرود عن الله التي أسرَتها طوال العام ، فحين يترك الطعام ساعات معدودة من النهار فإنه لن يجد المعنى لصومه ما لم يغضّ طرفه عما يحجب عنه البصيرة ، ويكفّ سمعه عما يجلب إليه الحيرة ، ويُمسك لسانه عما يُهدر بسببه مروءته ، ويحفظ رأسه وما وعاه وبطنه وماحواه ، وسائر جوارحه عن مقارفة الدنايا ومحبطات الثواب… هكذا هو الصوم يقوّي الإرادة نحوالخير ويردع النفس عن الشر ؛ فالجوع ليس مقصد في ذاته بل الغاية الأكبر له تحقيق التقوى لسائر الجوارح عما يغريها بالحرام ، قال صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)ولهذا كان الشهر مدرسة للأمّة -كيف لا وهو شهرالقرآنتضبط فيه بوصلتها وتوحّد وجهتها وتستيقظ فيها معاني الولاء ومشاعر الإخوّة الإيمانية والجسد الواحد متجاوزة بالعقيدة الحدود الجغرافية والسياسية، تنتبه من غفلتها لتقوى وتتدارك مصيرها وصنوف الحروب الباردة والساخنة عليها ..


تحديات ..


دخول المسلمين هذه المدرسة الربانيّة شهرا كاملا ينهلون منه أنواع الهدايات ويطلبون الرحمات ويطرحون الأوزار والسيئات ويصححون جاهدين مسيرهم إلى الله تعالى في هذا الشهر ؛ إن هذا الأمر لا يزال يؤرّق أعداء الدين فلم -ولنيغفلوا عنه وعن الصد عن سبيل الله فيه ، وتفريغه من مضمونه بكل وسيلة تمنع تحقيق التقوى في القلوب.


وصايا ليقظة القلب ..


لا أجد نفسي إلا مذكّراً إيّاها أولاً ثم أحتسب على الله التذكير بما يلي :   


إعادة النظر في المعاصي التي لابسناها هل هي من اللمم أم من الموبقات ؟وأحسب أنه بقدر الألم والشعور بالخطأ يكون الندم والرجوع .. فلا يصح أن نُقابل الإصرار على المعاصي بقليل من الاستغفار .. ولا أن نظن التقصير في حق الله يغفره الرجاء دون الخوف من وعيده والطرد من رحمته.

عن أنسرضي الله عنهقال: (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعْرِ، كنّا نعدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات).

فكم من التشبّه بالكفار وأهل الفسق نشاهده في الواقع اليوم يمارس كعادات منفكّة عن أصلها في الدين والشريعة ، فلم يستنكرها البعض فضلاً أن يستغفر منها أو أن تكون في حسّه موبقة منالموبقات ! فأين أولئك من حال المؤمن يرى الذنب كأنّه جبل يقع عليه ؟!


-توقير الزمان الفاضل عند الله ؛ فالإثم فيه أعظم والحزم فيه أولى وأسلَم ، و( إدارة الشاشة ) نموذج للإدارة الذكيّة لكل ما يُوهن الإرادة ويخذّل العزيمة أو يقطع الطريق عن الله فهو جدير بضبطه والتحكّم به، وقد لا أعجب كثيرا إن كان القانون في ولاية أمريكية -كما قال مصطفى محمود-  يحظر شرب الخمر ليلة الكريسمس احتراما لميلاد المسيح رغم علمانيتهم ؛ ولكن العجب ممن لا يزال يستعرض وأسرته كل ما يخدش الحياء ويسحق الفضيلة عبر قنوات الرذيلة الفاضحة في شهرٍ جمع الله فيه للأمّة من البركات والانتصارات ما لم يجتمع في غيره مثله ! 


وشاشات التواصل الاجتماعي هي كذلك بحاجة إلى ( إدارة أذكى ) للحد من الانشغال بها لغير ضرورة أو حاجة ودون إسراف -فيما اعتدنا عليه قبل رمضان من المتابعة والتفاعل- لنشعر بالفرق ، ولربما لجأ بعضهم في برامج التواصل إلى اعتزالها مؤقّتًا بـ ( الحذف ) أو ( الخروج ) ؛ للتخفّف منها وإعانة قلبه ونفسه على التفرّغ لأوقات الشهر العظيمة وكلٌ أَبصَر بما يُصلح حاله! .. أيقِظ فيمن حولك احترام الزمان ليستكثر من الخير أينما كان .


استدراك قبل الفوات ..


في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إن جبريل عليه السلام أتاني فقال لي : مَن أدرك شهر رمضان فلم يُغْفَر له ، فدخل النار ، فأبعدَه الله ، قُل آمين ، فقلت : آمين) .. وعيد يجلجل في قلب المؤمن .. فكيف بحال من فرّط ولم يُفق من تسويفه وغفلته إلا بعد فوات هذا الموسم العظيم .. وربما كان آخر موسم يُدركه !


اللهمّ أعنّا على أنفسنا فلا حول لنا ولا قوة إلا بك ..


تدوين| عبدالكريم

رمضان ١٤٣٥هـ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيار التواصل.. القناة الآمنة !

فِتْيَان في جُحْر الضَّبّ !

الثقة بالنفس .. طوق النجاة للأبناء !