ما أعتى النفس !

  النفس تكون مرة (كالطفل)، تُلحّ في حاجتها حتى تنالها، فإن حيل دونها تذمّرت، وتبرمت، وعاندت، وتحدث فيما حولها إضطراباً وصراخاً، وتُقْدِم على ما يضر دون ما ينفع، وتلجأ لإضرابٍ عامٍّ؛ تعبيراً عن تردي الحالة المزاجية واستعطافاً للمحيط .. وإن هي ظفرت بحاجتها، تمتعت، وانشرحت أساريرها استعداداً لطلب آخر .. وإلحاحٍ جديد!
  ومرةً تعود (كشابٍّ) فتي يراهق ويطيش، ويتسلى بتحدياتٍ ومخاطرات، مكتشفاً ذاته، مسجلاً تجربته، يرجو عافياً يحنو عليه، وحالماً يرحمه، ومحفزاً يأخذ بيده، متشوق لعاطفةٍ تربت على كتفه، رافضاً تدخلاً يقلل من شأنه، يريد مرشداً، يأنف من معلمٍ يسفهه ..
  ومرةً تعود النفس (كالشيخ) الهرم، ترق مشاعره كما ترق عظامه، فلا يحتمل مايجرحه، يبحث عمن يلبي حاجته، يخشى فقد مكانته، لا يقبل مجادلته، له قول واحد، يحب عزلته وقت تضجره، يخطفه النوم في سمره، صعب العراك، مرهف المشاعر، رقيق القلب..


  هكذا طفولة وفتوة وشيخوخة .. هكذا تماماً ( تتقلب نفسك ) التي بين جنبيك في يوم وليلة وساعة وأخرى .. فكيف بمن يتولى -فوق نفسه- أنفساً بالرعاية والتربية ؛ أليس بأحوج لإدراك أحوالهم وتنازع رغباتهم وتناقض حاجاتهم وتفاوت قواهم وإدراكاتهم ؟!
 

  لذا أحال الله مسؤوليَّة الإصلاح وطلب الهداية إلى كل فرد أن يتولَّ نفسه أولاً ؛ مربيَّاً كان أو متربيَّاً ؛ ( كلُّ نفسٍ بما كسبتْ رهينة ) فهو أعلم بأغوار نفسه وما يصلحها وما يفسدها ( قد أفلح مَنْ زكَّاها وقد خاب من دسَّاها ).. ثم يتولَّى  كل راعٍ -بعد ولاية نفسه- رعاية من يرعاه ..
  إنَّ أعظم ملاججة يَقدم عليها مَن أوبق نفسه يوم القيامة ، وأعظم محاجَّة تُقام عليه في عرصات الألم والندم ؛ تكون في أولئك الذين يَعرض القرآن خبرهم ( أنْ تقولَ نفسٌ ياحسرتى على ما فرَّطتُ في جنب الله وإنْ كنتُ لمن السَّاخرين • أو تقولَ لو أنَّ الله هداني لكنتُ مِن المتَّقين • أو تقولَ حين تَرى العذاب لو أنَّ لي كرةً فأكونَ مِن المحسنين ) ..



طبتم لأنفسكم هداةً وبكم مهتدين ،،

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيار التواصل.. القناة الآمنة !

فِتْيَان في جُحْر الضَّبّ !

الثقة بالنفس .. طوق النجاة للأبناء !