جيلٌ بين عُزْلَتَيْن .. فمَن له ؟!
إنَّ الإثارة التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي بتطبيقاتها عبر الأجهزة الذكية ، واستحواذها على حياة كثير من الأطفال والمراهقين أخذت أبعاداً في عزلهم وتغيير واقعهم الاجتماعي والتربوي ، وتشكلت ضمنها أنماط ثقافية واجتماعية مختلفة مؤطّرة بقيم دينية باهتة ومجتمعية عامة ..
إذا علمنا أن نسبة مستخدمي الأجهزة الذكيّة بالمملكة لمن هم في أعمار 15 سنة فأكثر ، تصل إلى 88.68 % وأن نسبة من يستخدمون الانترنت منهم في الشبكات الاجتماعية (Network Social) وفي وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) 97.34% ، ومنهم 29.76% في ممارسة وتحميل الألعاب والأفلام والموسيقى ومقاطع الفيديو ! (الهيئة العامة للإحصاء بالمملكة العربية السعودية لعام 2019م )
وهذا النمو المتسارع والتواجد في العالم الافتراضي فاقَم الفجوة بين أفراد الجيل الواحد وبين الأجيال المتتالية ؛ مما يُلقي بالمسؤوليّة الكبيرة على كافة المصلحين والتربويين في ابتكار مشاريع رياديّة متجدّدة تفعّل وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام وتؤسّس بيئات دعويّة وتربويّة جاذبة فيها ، كما تنهض بشكل خاص بمحتوى تطبيقات التواصل الفوري كتطبيق "الواتساب" (whatsapp) وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى.. وتسدّ الثغرات القائمة في استخدامها ، من خلال العناية بالمضامين البناءة الهادفة وإدراجها بأسلوب مبتكر ، وضخّ ما يمكن من الخير ( المقروء والمسموع والمرئي ) فيها ؛ ليدفع الزَبَد خارجاً فيَذْهَب جُفاءً ويبقى ما ينفع الناس شاهداً في الأرض .
التقنية بين جيلين ..
يصنِّف بعض المختصّين أجيال التقنية إلى : جيل مخضرم ولد قبل التقنية وأدركها ويتعاطاها كأداة ولغة ثانية ، وجيلٍ رقمي أصلي ولد في عصر التقنية فهي لغته الأولى في التواصل مع محيطه ويقضي معها معظم أوقاته ، والجيل الرقمي بارع في ممارسة الألعاب واكتشاف جديدها وتحميل الفيديوهات ، وهو آخذ في التوسّع بتكوين مجموعات الصداقات عبر تطبيقات المحادثة والتواصل الفوري تحديداً ؛ فأصبحت مساحة تواصلهم " الأفُقي " تتزايد على حساب التواصل " الرأسي " مع الجيل المخضرم الأقرب إلى المبادئ الأصيلة والخبرات الطويلة ، ولذلك نشأت فجوة بين جيلي المجتمع الواحد .
الجيل بين عزلتين ..
واليوم يُراهَن الجيل الرقمي على قِيَمِه ليواجه عزلته بمفرده فتعبث بهويّته الإسلاميّة والتي لمسنا وضعيتين سلبيتين منها وهما نذيرا خطر تستدعيان المعالجة :
الأولى : العُزلة الاجتماعيّة عن محيطه الواقعي الذي يُفترض أن يتربّى فيه ويأخذ منه القيم والآداب ويمارس فيه أنشطته ويتلقّى منه علومه وسائر خبراته عبر سائر المواقف الحياتيّة . وقد أوضحت دراسة بريطانية أجريت على مجموعة من الأطفال المميزين ، لوحظ أن 48% منهم فقط عرف عنوان منزله ، وثلثهم تمكّن من كتابة اسمه الأول والثاني فقط ، و 11% استطاعوا ربط أحذيتهم !!
الثانية : العُزلة الإلكترونيّة التي اقتصرت على التواصل الأفقي بين فئات الجيل الرقمي نفسه دون التواصل مع المخضرمين على نحو إيجابي مؤثر ، فافتقدوا إلى القدوات الأعلى والنماذج الأرشد وتراجعت لغة التفاهم مع الجيل المخضرم ، فبرزت مفارقات وتجاوزات لكثير من قيم المجتمع الفاضلة التي نلمس بوادرها من الأبناء والطلاب ..
مساهَمة لكسر العُزلة ..
يصعب على المصلحين أن يساهموا بشكل فاعل في ترشيد الجيل الرقمي في وسائل التواصل الفوري ما لم يتجاوزوا دورهم كمستهلكين ومستخدِمين ، وألا يكتفوا بعمليّات تمرير الرسائل وتصحيحها أو إهمالها –أحياناً- وتجاهلها ؛ وأن يُسهِموا في صناعة المحتوى الإلكتروني بأنفسهم الذي يتربّع على عرش التأثير فيه أولئك الذين يُدرِجون في كل يوم وفي كل ساعة ، ودقيقة ، وثانية ، محتوى جديد.. فإذا تسنّم هذا الدور الخطير فاقدو الهويّة الإسلاميّة ممن يُعد في قائمة "المشاهير" أو عداهم فإن الهُوّة بين أجيال المجتمع الواحد ستزداد ؛ بما يُنذر باختطافٍ غير مسبوقٍ للأجيال الرقمية فكريّاً وثقافيّاً وأخلاقياً .
دور الجيل المخضرم ..
فالدور الذي نوجّه إليه معشر المصلحين من الجيل المخضرم نوجزه في التالي :
ضرورة تنشيط قنوات التواصل الفوري الإيجابي " رأسياً " مع الجيل الرقمي ومحاولة التقارب المثمر معه ، فهم أبناؤك أو طلابك أو شباب في حيّك ، وإمدادهم بما يغذّي فيهم الاهتمامات العالية والقضايا المهمة التي يعيشها المجتمع والأمّة الإسلامية بما يناسب فئاتهم وأعمارهم ، فهم في حاجة إلى محتوى راقٍ من النصوص ، والمقاطع ، والمشاهِد ، التي تتضمن من فيوض المعاني العظيمة ، كالاستقامة ، وحُب الله ورسوله والمؤمنين ، والعزة ، والثبات ، وطلب العلم ، وتقدير العلماء ، والبر والإحسان ، والتوبة ، والعفّة ، وقيم الذّوق العام والأخلاق ، وفنون التعامل والحوار الهادف ، وفقه الواقع ، والتفكير الناقد ، والإنجاز ، والمسؤولية تجاه النفس والأسرة والمجتمع... وغيرها .
دور الجيل الرقمي ..
ونوصي "الجيل الرقمي" ؛ أن تملكوا زمام المبادرة وتعتنوا بحُسن الأخذ ممن فاقكم في العلم والتجربة والأمانة والعطاء والعمل للإسلام والمسلمين بما ينفعهم في الدين والدنيا ، وأن تكون لكم اليد الطُولَى في صُنع التغيير في الأوساط الإلكترونيّة عامّةً ، وتترفّعوا عن سافل الاهتمامات ومضيّعات الأوقات ومَزلاّت الأقدام ، وتحذروا أن تكونوا أدوات في مصانع التفاهة ، بل اعملوا على ملء شبكات التواصل بكل هادفٍ من العلوم النافعة والمواعظ والخير ، فأنتم أدرى بمظانِّها ..
وأنتم الأمل في الريادة -بحول الله- حين تصحّ أهدافكم وتسمو غاياتكم وتسلكوا من الوسائل الإبداعيّة ما تبلّغون به دينكم الذي شرّفكم الله به ، وتنشروا سنة نبيّكم صلى الله عليه وسلم بذات اللغة التي سينشأ عليها أحفاد التقنية ويفهمها عنكم رعيلها القادم ، فلكل زمانٍ رجاله ..
طبتم وطاب تواصلكم بكل خير ،،
تدوين| عبدالكريم
تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لك .. إذا وجدت شيء قد استفدت منه أو يمكن أن تفيد به غيرك ، فلا تتردد بنشر الرابط .