بلسم الحياة الأسرية




   تَعَارَف المجتمع واعتاد أفراده طلب مأذون الأنكحة للعقد بين كل زوجين وفق شريعة الله تعالى ، وتسجيل ذلك لدى المحكمة رسميًا لإصدار عقد النكاح .. في خطوات أشبه ما تكون في عُرف بعضهم مجرّد مراسم احتفاليّة تعبيرًا عن الفرحة ، طوت فصولًا غراميّة .. بين النظرة الشرعيّة .. والخطبة .. وكتابة العقد (المِلْكَة) .. وختمًا بحفل الزفاف ! 
  
  وبعد انطلاق مسيرة الحياة الزوجية يتلاشى ذاك الشعور الإيماني والاجتماعي الجميل ، حتى تخلو حياة الأسرة من المعنى العبادي السامي بميثاقها الغليظ الذي جعله الله فيها ، والمُؤْذِن ببناء كيانٍ شامخ في جَنَبَات المجتمع المسلم الذي يترقّب منه ذريةً صالحةً تعمره بالخير والصلاح ، فالفتيات يتربّين في الخدور ويُنشّأن على الإيمان والتقوى ، والفتيان يتربّون على الرجولة ومعانيها في ميادين العلم والجهاد والدعوة وكفاية أسرهم بما يحتاجون إليه مما يعينهم على تحقيق عمارة الأرض .

  وهذا الأمل من كلّ أسرة مسلمة تعترضه وتعوقه معاصرة الناس لحياتهم اليوميّة وانشغالهم بمتطلّباتها وتطلّعهم المستمر لتحسين مواقعهم الاجتماعيّة والتعليميّة والاقتصاديّة ، فلا يكاد يبرح أفراد الأسرة منزلهم إلا ساعات الراحة والنوم ! فالآباء في وظائفهم وأسمارهم وزياراتهم ، والأولاد بين دراستهم وأصدقائهم وألعابهم ولهوهم .. مزاجٌ مدنيّ عامّ يصيب الإنسان بالضجر والضيق مهما توافرت فيه سبل الراحة وألوان الترفيه الماديّة والمعنوية ، وإن أضفت إلى ذلك ما تتعرّض له الأسرة المسلمة من هجمة شرسة ضمن معاهدات دولية تستحث المرأة خارج بيتها للعمل والسفر والاختلاط وتستعديها على قيّمها المؤتَمن عليها أباً كان أو زوجاً ، وشريعة ربّها التي تصونها ، وتثير الطفل على وليّه لسحب ولايته ورعايته بذريعة حفظ حقوقه التي علمنا كيف انحدرت في المجتمعات الغربية نحو البهيمية ، فلا تسأل عما سيبقى من مكوّنات الأسرة المسلمة المميّزة لها عن الأسرة الغربيّة سوى الرموز والأسماء وغدوات أفرادها إلى المسجد أو روحات!


  فما الحل إذن في تعديل مزاج الأسرة المسلمة واستعادة سكينتها وتخفيف وطأة الضغوط عنها وتدارك عافيتها وروحها من الشقاء والضنك الذي قد يلحقها ؟

 الحل نتفيّؤا ظلاله من قول حبيبنا المصطفى ﷺ حين قال : (لا تجعلوا بيوتكم مقابر) ..
ومن قول المولى جلَّ وعلا : (ومَنْ يَعْشُ عن ذِكر الرحمن نُقيّض له شيطاناً فهو له قرين).. 

  فبلسم الحياة الأسرية يكمن في إتيان ما تيسّر مِن هدي نبيِّ الرحمة ﷺ وسننه البيتيّة الواجبة والمستحبّة والآداب التي نُقلت عنه  .. 
فما أجمل أن يحيا أفراد الأسرة وبينهم من يتلو القرآن ، أو يقوم الليل ، أو يصلي ركعات يوتر بها قبل النوم ، أو من يصلي صلاة الضحى ، ويؤدّي السنن الرواتب والنوافل المطلقة ، وما أجمل العيش فيما بينهم بالأدعية والأذكار عند الصباح وعند المساء .. عند دخول المنزل والخروج منه .. عند الطعام وبعده .. عند دخول الخلاء وبعد الخروج منه .. عند سقوط الأشياء .. عند النوم وبعده .. عند لبس الثوب الجديد .. عند الإعجاب بالأشياء .. عند سماع المكروه والمصيبة .. عند سماع الأذان .. عند إرادة حفظ النفس من الشرور بتلاوة الرقية الشرعية والتحصين ... وهكذا العيش سائر الأوقات بأنواع الذكر المطلق .
وكذلك أن يُحيي أفراد الأسرة ما استطاعوا من السنن والآداب النبويّة العمليّة لتكون ديدنهم وبلسم حياتهم الأسريّة .. فالسواك عند القيام من النوم وعند تلاوة القرآن وعند الصلاة .. تجنّب التماثيل والتصاوير المحرّمة .. نبّذ مزامير الشيطان .. خدمة الأهل وإعانتهم .. ملاعبة الصغار .. إدخال اللقمة في فم الزوجة .. المزاح بصدق واعتدال .. حفظ العورات بالاستئذان وغضّ البصر .. التيامن في الأمور كلّها .. خفض الصوت وتكرار الكلام للإفهام .. تجنّب الغضب إلا عند انتهاك محارم الله .. تجنّب إخافة الآخرين .. تجنّب التوجّه للقبلة عند قضاء الحاجة .. التبشير وبث روح التفاؤل والابتسامة .. الأخذ بالأيسر ما لم يكن إثماً .. حفظ النعمة .. حسن التدبير ونبذ التبذير .. تغطية الأواني .. التنزّه من النجاسات .. النهوض للفرائض والواجبات بنشاط وهمة .. التراحم والتصالح .. استثمار الأوقات في محابّ الله ومراضيه من أمور الدين والدنيا ...
وهكذا سننٌ وآدابٌ وأخلاقٌ نبويّة لا تنتهي ، وحسْب كل أسرة أن تستحضر ما تعيش به بين أفرادها من الأقوال والأعمال والتذكير بها والمداومة عليها كلّما وافقت مناسبتها وربطها بسيرته ﷺ واعتبارها أهداف لها أولويّتها تسعى الأسرة لتحقيقها .. وغالبها - بحمدالله - سنن متيسّرة الأداء وفي وقت قصير جدًا والموفّق مَن وفّقه الله فأدركها وأكرمه لأدائها بنيّةٍ صالحة .



تأمّل ..

  لو قُدّر لك أن تزور أُسرة ما في دولة ما في العالم الصناعي المتقدِّم دون سابق علمٍ لك بديانتهم وثقافتهم ، ثم شاهدتَ تلك الأسرة وهي تمتثل تلك الأفعال الصالحة والآداب والقيم النبيلة ؛ فلا أظنّك ستخطئ إن قلت حينها : أنّها أسرة مسلمة ومتميّزة وبمزاج إيماني مؤثّر !


   تذكّر أنّ مَن أحيا سنّةً من سنن النبي ﷺ  في نفسه أو في أهل بيته فقد أمات بدعة وأبعد عادة غربيّة أو شرقيّة دخيلة .. وسيعيش أفراد الأسرة سعادة إيمانية تملأ أرواحهم وتُسعد قلوبهم ؛ وتحفظ كيانهم من عواقب الضنك والضيق ، وتخفّف عنهم من كَبَد العيش وقسوته التي أحالت أُسَرًا بأكملها إلى النّفرة والشتات !



طبتم وطابت حياتكم بهدي نبيكم صلى الله عليه وسلم 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيار التواصل.. القناة الآمنة !

فِتْيَان في جُحْر الضَّبّ !

الثقة بالنفس .. طوق النجاة للأبناء !