مبروك النجاح يا غشاشين!

 


خلف هذا العنوان الطريف قصة نجاح .. وقصة إخفاق  ..

 قِصَّة نجاح ..

  من نعم الله السابغة في جائحة "كورونا" رغم أنها قد شُلّت فيها حركة الإنسان والاقتصاد والتعليم والصحة والتنمية... أن وهبنا الله فيها نعماً ونجاحات على أصعدةٍ مختلفة ما كنا نتصوّر تحققها في الظروف العادية .

  نعم ، "كورونا" رسالة من أعظم عظيم في الوجود سبحانه وتعالى وبواسطة أصغر مخلوق عرفه البشر ؛ لإعادة توازن الإنسان الشارد والغافل عن غاية وجوده -عبودية الله- ويعيد ضبط بوصلته نحوها .. 

  أخذت دروس هذا الحدث الإلهي المقدَّر تهزّ جوانح الإنسان في أمانه واستقراره ، في نفسه وحياته ، في ماله وأمانه الاجتماعي والتعليمي ، فشهدنا المحاصرة التي جعلت المساجد والمدارس وشوارع المدن موحشة بعد أن كانت صاخبةً في النهار ومنتعشة في المساء .. جمال تلك الصورة -ناقصة الجمال- اختفى بسبب "الفيروس" الصغير ! ..

  إلا أن مِنْحَةَ الله مِنْ بين مِنَحِهِ وعطاياه الجليلة أن أيقظ الفكر والهمّ والعزم في الناس بما يصلح معاشهم ويرشّد إمكاناتهم لمثل هذه الأزمات ، ويطرد التواني والعجز على كافة الأصعدة حين تعذّر بعضهم بأننا لا نستطيع ولا نقدِر !

  فكان من جملة ذلك الإيقاظ ؛ السعي في تطوير بُنية تعليمية إلكترونية - عن بعد - وتأهيلها لاستيعاب أكثر من ٦.٤ مليون طالب وطالبة، وأكثر من ٥٠٠ ألف معلم ومعلمة، استعاضةً عن التعليم الحضوري في ٣٠٧٥٤ مدرسة و ٢٦٨ جامعة وكلية كانت تضمهم بطواقمها الإدارية والإشرافية لمباشرة التعليم المتزامن الكترونياً عن بُعد عبر المنصات والقنوات التعليمية الأخرى.

  وهذه النقلة النوعية في التعليم - رغم قصور بعض جوانبها - تُعدّ نجاحاً وإنجازاً وتجربةً واعدة ، ومنسوبو التعليم يفخرون ويشيدون بتجربتهم التي سطّروها معاً في صفحات مسيرتهم التعليمية أواخر عام ١٤٤١هـ وعام ١٤٤٢هـ وإلى المزيد نرنو .

وأما القِصَّة الثانية التي تجلّت فيها تحدّيات قيميّة وتربويّة أجدر بالاهتمام والتأمّل ..

أبطالها ( المعلّم و الطالب )

وميدانها ( المنصة الالكترونية ) ..

  كان من الواضح أن "إعادة توزيع درجات أعمال السنة والاختبارات النهائية لكل مادة دراسية على أن ترصد لأعمال السنة ٨٠٪؜ من الدرجات والاختبارات النهائية ٢٠ ٪؜" في التعليم العام ، قد شكّل تحدياً للطالب يقيس به استعداده التعليمي والتربوي ومدى قدرته على التعلّم الذاتي من خلال التواصل الفعّال مع معلميه والإلمام بالمهام والواجبات والاختبارات المطلوبة ومواعيدها وطرق أدائها بشكل ذاتي ، وأن يسعى إلى تقليل الفاقد التعليمي من خلال متابعة المزيد من الدروس المسجلة والإثراءات ، ويتدرّب على المهارات المهمة لطالب العلم كالاستماع والتركيز والمناقشة والتلخيص والصبر على الجلوس لأخذ العلم والتدوين والمراجعة والبحث والاستفادة من مصادر المعرفة المتاحة ، كما ينمّي قدرته على تجاوز العقبات التقنيّة المتوقّعة .. كانت الفرصة التي تمليها طبيعة التعليم عن بُعد بأن يؤدّي الطالب كل ذلك في جوٍّ من الراحة وحريّة الوقت والمرونة والتعاون مع أسرته بما يمكّنه من التقدّم العلمي والتربوي وتحصيل الدرجات ، فمن وفّقه الله للبذل بجد واجتهاد وتحمّل مسؤولية نفسه بذاتية عالية تمكّن وتقدّم بمستواه العلمي وقلل من الفاقد التعليمي .

  ولكن المؤسف -في هذه التجربة التعليمية المختلفة- أن يتحوَّل دور الأسرة الداعم من "المساندة الإيجابيةإلى دور "قاطع الطريق"! حين تضيّع الأسرة على أبنائها فرصة اعتمادهم على أنفسهم في أداء مهامهم التعليميّة والواجبات والاختبارات الفتريّة ؛ طمعاً في تحصيل الـ٨٠٪؜ من درجات المادة المترتبة على أعمال السنة ، فبدلاً من أن تقوم الأسرة بالتحفيز والمتابعة على دعم أداء الابن الذاتي تقوم بتنفيذ كل ذلك نيابةً عنه ! .. ويزيد الطين بلّةً حين تتصوّر الأسرة أن من مصلحة الابن أن تؤدّي الاختبارات النهائيّة -أيضاً- نيابةً عنه !!

  وهذا الإخفاق التربوي والقيمي يتفاقم حين يصل أثره إلى تعزيز جملة من المحاذير الشرعيّة والأخلاقيّة التي يتوجّب على الأسرة حينها ألا تسمح بوقوعه في حق فلذات أكبادها إن أرادوا لهم توفيقاً في الدين والدنيا وبركةً في مستقبلهم ومستقبل مجتمعهم ، ومن تلك المحاذير :

١الوقوع في الكذب والغش الذي توعّد النبي ﷺ  صاحبه بقوله : ( من غشّنا فليس منّا ) فيظهر الطالب أمام معلّمه وكأنّه هو من أدّى واجباته واختباراته والحقيقة خلاف ذلك، فإن قدّرنا العذر للأسرة بمساعدة أبنائهم ليتمكّنوا تدريجياً من حل واجباتهم بأنفسهم، فلا عذر بالسماح لهم بفتح الكتاب أو الاطلاع على مواقع الكترونية وغيرها للإجابة عن أسئلة الاختبارات المطلوب من الطالب الإجابة عنها بنفسه معتمداً -بعد الله- على فهمه ومذاكرته ، فحكمها حكم الاختبارات الحضورية.

٢- من المحاذير أن تظهر الأسرة بمظهر القدوة السيئة أمام الأبناء ، حين تشجّع على الخداع بطريقة غير مباشرة والتحايل للوصول إلى "المصلحة" ما دام عين المراقب لا ترى فضلاً عن عين الله تعالى الرقيب التي لا تنام ، ويحسن التذكير بقول الفتاة التي قالت لها أمها حين أمرتها بمزج الماء مع اللبن في زمن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقالت : "إن كان عمر لا يرانا فربّ عمر يرانا" ! .. هذه القيمة التي نرجو غرسها في أبنائنا. سيبقى دائماً استشعار مراقبة الله تعالى هي العاصم من الوقوع في الزلل لا مراقبة النظام.

٣- من المحاذير أن نربّي الأبناء على الاتكالية واللامسؤولية وتجنيبهم نتائج قراراتهم حين تتدخل الأسرة في القيام بدوره ، ولذلك حين ندع الأبناء يخوضوا تجربتهم العلمية عن بعد ويتحمّلوا نتائجهم الإيجابية ، فيفرحوا بها ، والسلبية ، فيخططوا لتجاوزها فهذا هو الأسلوب الأمثل لتعزيز روح المسؤولية في نفوسهم ، وأن نكتفي بالمساندة الضرورية بحسب ما يقتضيه حال الابن وقدراته دون الرضوخ للعاطفة السلبية التي تضعفه ولا تحفّزه .

وفي الختام ..

  ونحن نتعلّم نستشعر نعم الله تعالى علينا ونتذكَّر المؤمَّل منّا معاشر الآباء والأبناء لننهض بأنفسنا وأبنائنا وأسرنا ومجتمعنا لبناء مجد أمّتنا الكبير في العلم والتربية والنهضة.

  جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم قال رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز"

دمتم على طريق العلم والإيمان والعمل الصالح ..


تدوين|  عبدالكريم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خيار التواصل.. القناة الآمنة !

فِتْيَان في جُحْر الضَّبّ !

الثقة بالنفس .. طوق النجاة للأبناء !