القدوة .. ظِلال أم ضَلال ؟!
حين حدَّثني الأب بأن ابنه يتلّقى تدريس مادة اللغة الإنجليزية بشكل
جيّد في مدرسته الحاليّة ؛ لذلك هو يُؤْثِر بقاءه فيها على أخرى تفوقها بقيمها
ومواصفاتها وأدائها التربوي . وأنّه كثيرًا ما يصطحب ابنه معه أثناء مسامرات
أصدقائه ( المسلمين العرب ) ؛ ليُتيح لابنه ممارسة اللغة الإنجليزية والتحدُّث بها
مع أبناء أصدقائه !!
قد يستوقفك هذا الموقف العابر كما استوقفني ويثير لدينا
عدة تساؤلات :
الأول: ما مدى إدراك الأب لقُدرة ( اللغة الأجنبية ) وجاذبيتها في تشكيل عقلية الابن ورسم تصوراته عن الحياة ،
باعتبارها رافد تلك الثقافة ومفتاحها ؟!
الثاني: إلى أي مدى نستطيع جعل قيمة تعلّم اللغة الأجنبية في إطارها المنسجم مع المبادئ ، دون أن تتجاوز رتبتها في
سلّم قيمنا الإسلامية ؟!
ابتداءً ..
قد نتفق على أهميّة تعلّم لغة أجنبية حين تكون هي اللغة السائدة
لحضارة ما .. لكن الملاحظة النقديّة هي أبعد من
مجرد تعلّم ذات اللغة والتى تُعد مُكونًا ثقافيًا ، ووسيلة لتحصيل
العلوم والخبرات والتجارب ، مما يستوجب التفاعل
معها بقدر من الموضوعية ووفق الحاجة.
أي مجتمع -ومنها مجتمعاتنا المسلمة- حين يتَّجه بمؤسَّساته
التعليميَّة والإعلاميَّة لتشكيل اتجاهًا ثقافيَّا معينًا ، فإنِّه يعتني بإبراز
النماذج والقدوات التي تتمثَّل تلك الوجهة ؛ لتكون معْلمًا للاقتداء والتأثير ،
واقتباس التوجُّهات والرؤى العامة منها للمجتمع . ويتأكّد الأمر على مجتمعنا حين
يتّجه نحو الانفتاح على الثقافات المغايرة ويتفاعل مع مكوناتها ومعطياتها ( ومنها
اللغة ) ، فإنِّه بذلك يعرّض جزءًا من مخزونه وثقافته الخاصّة للتهديد والذوبان ؛
ما لم يُعدْ ترتيب أولوياته التربويَّة ويتفقّدها من جديد ؛ ويجهِّز قدواته
ونماذجه الممثِِّله لثقافته وأصالته ؛ لتكون خط الدفاع الأول في وعي الجيل ،
وباديةً على السطح في مداولاته ومنتدياته.
إنَّ سيادة النمط المحافظ في المجتمع المسلم وعلو قيمه الفاضلة
وأخلاقه الإسلاميّة وفشوِّها ؛ أصبح مهدَّدًا -وأن أبدى الممانعةً- في ظل
التعدّدية المتناقضة في الأفكار والتصورات والأخلاق والسلوكيات ، والتحدّي اليوم
هو في العبور بالمتربّين نحو القدوة الصالحة والنموذج
الذي ينبغي أن يحذوا حذوه في تفاصيل حياتهم ، وتحديد
معاييره لهم ؛ وهذا -بلا شك- يشكّل هاجسًا يؤرِّق الأسر والمؤسَّسات
التربويَّة.
ولو تتبعنا مظاهر الاقتداء لدى
مَن نربِّيهم ، ونتعرَّف اتجاه بوصلتهم ، سنلحظ المؤشِّرات
المرتبطة بميولهم وهواياتهم ورغباتهم وحاجاتهم في مراحلهم العمريَّة
المختلفة ، والقيم التي تبرز
أثناءها ، بالنظر -مثلًا- إلى أزيائهم "واكسسوراتهم" التي يرتدونها ،
وهيئتها ، وطريقة ارتدائها ، أو بالنظر لمقتنياتهم الخاصة ومحتوياتهم الالكترونية
، وصورهم التعبيرية في تطبيقاتهم وألعابهم، وما يكتبونه على صفحات كتبهم المدرسية
، وما يترنّمون به ، والأظهر من ذلك ملاحظة مضامين كلامهم وأسلوب تخاطبهم مع
الآخرين ، ومستوى انفعالاتهم السلبية والإيجابية.. وأشياء كثيرة من ذلك تعكس لك
بوضوح أنماط القدوات والنماذج المؤثرة فيهم ،
والاتجاهات التي أخذت بُعْدها في نفوسهم ، كما نلحظ بجلاء تمدَّد الأنماط
المفاهيميّة والسلوكيّة غير المنضبطة بميزان الإسلام ، وانحسار كثير من معالم
المروءة والعفة والاستقامة ..
لذا من الضرورة بمكان أن نُزيل
الغشاوة عن عيون مَن نربّيهم ، وألّا نكلّ عن سرد النماذج والقدوات التي تفخر بها أمة
الإسلام ويزخر بها تاريخنا العظيم ، وفي طليعتها التي
تنبعث منها كل هداية ، وتَصحّ معها كل بداية ، وتُشرق بها كل نهاية ، سيرة القدوة المقتفى ،
والنموذج المجتبى ، النبي المصطفى محمد بن عبدالله صلوات ربي وسلامه عليه ( لقد
كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ، وقد أخبرت عنه عائشة رضي الله عنها فقالت : (
كان خلقه القرآن ) .. ثم مِن بعده القرون
المفضَّلة ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا ، فنعود لننهل من سيرته
-صلى الله عليه وسلم- وننطلق مجددًا من المبادئ والمفاهيم والقيم التي خطّها صلى
الله عليه وسلم لأمَّته ، لتكون نموذجًا قيميًّا راقيًا ومؤصَّلًا . ليعلم الجيل
قيمنا ولو اشتركتْ الأمم الأخرى في كثير منها ، إلا أنّ نَبْعها من ديننا أبْهَج ، وإشراقها من هدي
نبيِّنا أوْهَج !
إنَّ سلامة هذا الاقتداء الذي
أمرنا الله به وتَعلُّم طريقة الاستنباط منه ، يقوِّم
خلل المعلِّم -غير الموفَّق- الذي رسم خيال القدوة لطلابه في لاعب كرة قدم! ، أو
صوَّرها في بلادٍ تنبعث منها رائحة الفتن .. ويرمم تشويه ذاك المسلسل الذي رسم
أنموذجه في ممثِّل منقلب على القيم والأخلاق .. أو ذاك المحرِّر الذي يبيع بقلمه
ويشتري في مبادئ دينه ويزاود عليها ..
سلامة الاقتداء به صلى الله عليه وسلم تقطع
الطريق على أعداء الإسلام في محاولاتهم البائسة في إسقاط نماذج
الصالحين المصلحين أو تشويههم كما تصون التصورات والقيم والمفاهيم الإسلامية عن
مغالطاتهم وتدليسهم .. فنستقي المعايير الصحيحة التي
اختارها نبيّنا عليه الصلاة والسلام لنحاكم إليها مفاهيمنا وسلوكياتنا وسائر
شؤوننا ، فنقف وراء المنهج لا
الأشخاص ، ونأخذ بالقيم الراسخة لا
الرايات والدعايات ، وننطلق من العلم الصحيح لا الأهواء
والشهوات .. وبهذا تكون القدوة ظِلال لا ضَلال
!
طبتم وطابت قدواتكم ..
تدوين|
عبدالكريم
تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لك .. إذا وجدت شيء قد استفدت منه أو يمكن أن تفيد به غيرك ، فلا تتردد بنشر الرابط .