انظر لابنك بعين عقلك !
جَرَت عادة بعض الخلفاء والعلماء وغيرهم من المنهمكين في شؤون الحكم والتعليم والتجارة عبر التاريخ، أنهم كانوا يُوْدِعون أبناءهم إلى من يعلّمهم أمور دينهم، وقدرًا من الأدب والحكمة والحساب والفروسية، ويدرّبهم على القراءة والكتابة وفنون اللغة العربية، ويزكِّي نفوسهم بالأخلاق ويتعاهدها بالتأديب والتربية.. ويدفعون مقابل ذلك أجورًا باهظة؛ لتشكيل شخصيّات أبنائهم وإعدادهم لمستقبل أمّتهم، بشيء لا يتأتّى للأسرة تحقيقه وبناؤه.. وها نحن نرمق من بين فلذات أكبادنا في المدارس من نواضر الشباب، عقولًا وشخصيّات وقلوبًا جسورة على العمل والحركة؛ لكنّهم يفتقدون من يوجّههم ويستثمر طاقاتهم ويغرس فيهم المبادئ الإيمانية والقيم السلوكية المثمرة لأنفسهم ولأسرهم.. وربما غاب عن كثير من الآباء دفع أبنائهم إلى معلِّم بالمدرسة يُخلِصُ لهم في النُّصح والإرشاد والتوجيه، ويتولى شؤون تربيتهم بين أقرانهم عن كَثَب، ويتابع تحصيلهم الأخلاقي والعلمي، أو مربٍّ بالمسجد يكمّل الدور في المساء بعد المدرسة، وفي إجازاتهم، يرعى تأديبهم وتقويمهم، أو شيخٍ يعتني بتعليمهم كتاب ربهم وتزكيتهم بروح السُّنًّة وآدابها.. والأخيار -بحمد الله- كثيرون وقريبون ممن أرادهم من الآباء أو سأل عنهم، سيجد الأب في مدرسة ابنه أو في حيّه أو قريبًا منه واحدًا منهم، ليدلَّه على المحضنٍ التربوي الناضج الذي يضم نخبةً من أولئك المربين المحتسبين ذوي السيرة التربوية المتزنة، يُعنَون بإصلاح ابنه ورعايته مع أقرانه وبرفقة صالحة، يأخذون بيديه ويبصّرونه طريق النجاح والفلاح، في أجواءٍ مُفْعًمًةٍ بالألفة والبذل والمنافسة، وتنمية شخصيته على الإيمان والإحسان عقيدةً وسلوكًا.. فالمحاضن التربويّة الناضجة إداريًّا وتربويًّا، أصبحت أنموذجاً للبناء المتكامل، تضاهي المؤسّسات التعليميّة والتدريبيّة المتخصصّة؛ إذ يحظى فيها المتربّي بعلمٍ وتزكيةٍ وتدريبٍ وتنميةٍ واستشارةٍ وأخوَّة.. تَصنع منه فردًا صالحًا لمجتمعه وأمّته. فحَريٌّ بالآباء استثمار أوقات أبنائهم ودفعهم لمن يأمنونهم في الدّين وحُسن التربية من تلك المحاضن التربوية كحلقات تحفيظ القرآن بالمساجد أو اللجان الاجتماعية ومراكز في الأحياء والأندية الصيفية وغيرها ، والتي يُشرِف عليها مربّون فضلاء، قبل أن تتخطّف الأبناءَ فتنةُ الفراغ، أو تغرِقهم وسائط التقنية بأشكالها في العلاقات المجهولة، أو يمضون أيامهم بين الطرقات والمجمَّعات... وأن يَفْطِنَ الآباءُ لِما فَطِنَ إليه أبو حنيفة -رحمه الله- لتلميذه أبي يوسف ووفّقه الله له.. فقد جاء في قِصّة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة حين كانت أمّهُ ترسله إلى خيّاطٍ ليخدمه، فيدَع الخيّاط فيجلس ليستمع لأبي حنيفة بالمسجد، فساءَ الأمر أمّ أبي يوسف، فقالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك! فكان مما قاله الإمام -رحمه الله-: "هو ذا يتعلّم أكل الفالوذج بِدُهْنِ الفُسْتُق".. ومرّ الزمان وتعلم أبو يوسف العلم وتولّى القضاء، وجالَس هارونَ الرشيد على مائدته وقدَّم له يومًا: الفالوذج بِدُهْنِ الفُسْتُق! فضحك أبو يوسف، فقال هارون: ما الذي يضحكك؟ فأخبره بقِصَّته.. فترحمَّ هارونُ على أبي حنيفة وقال: " كان ينظر بعينِ عقله ما لا يراه بعين رأسه ".. فهل يَعي الآباء والمربّون قيمة المحضن التربوي المكمِّل لدور الأسرة في البناء وضرورة الرفقة الصالحة لأبنائهم ؟!
طبتم وطابت عيونكم لأبنائكم ..
تدوين| عبدالكريم

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لك .. إذا وجدت شيء قد استفدت منه أو يمكن أن تفيد به غيرك ، فلا تتردد بنشر الرابط .